الصفحة 12 من 238

واعلم - أيَّدك الله بنصره - أنه لا تزال الحاجة تدعو إلى نشر كثير من كتب العلوم الإسلامية والعربية، بأسلوب يستوفي شروط التحقيق العلمي، وتتحدد أهمية تلك الكتب وأولويتها في النشر بقيمة الكتاب ذاته، وأهمية العلم الذي ينتمي إليه ومقدار الفائدة التي يمكن أن يقدمها لنا في حياتنا المعاصرة، ومما يلاحظ في هذا المضمار أن الإهمال قد أصاب كتب علم التجويد القديمة، حيث انصرف عنها المشتغلون بالتحقيق، وكذلك المشتغلون بالتعليم في دور تحفيظ القرآن، مع الحاجة الشديدة إلى تلك الكتب، سواء من الناحية العلمية في دراسة الأصوات العربية، أم من الناحية العملية في تعليم النطق العربي الفصيح.

ولا أجد تفسيرًا لذلك الإهمال إلا في أن المشتغلين في هذا العلم من المتأخرين والمعاصرين قد اكتفوا بهذه الكُتيِّبات الموجزة التي تمتلئ بها السوق التجويدية اليوم، والتي صار التجويد فيها نوعًا من الرموز التي يصعب فكَّها على كثير من دارسيه، ونسوا الكتب الكبيرة القديمة في هذا العلم، التي تزخر بالدراسات التجويدية الواضحة الصحيحة في روايتها وسندها، وهذه الكتب ليست سهلة المنال؛ لأن نسَخَها المخطوطة قليلة، وأماكن وجودها نائية، ومضامينها مجهولة على كثير من الدارسين، مما لا يشجع على بذل الجهد في تحصيلها ونشرها.

أما المتخصصون بتدريس التجويد من الْمُحْدَثين، فهم أشدُّ بُعدًا عن كتب علم التجويد القديمة، وأكثر جهلًا بما فيها - إلا ما رحم ربك - تكاسلًا منهم في البحث التنقيب عن صحيح القواعد من ضعيفها وشاذِّها. ولعل صورة علم التجويد التي عرفوها في الكتب المتأخرة التي غلب عليها الرأي والقياس أكثر من الاتباع والرواية- هي التي صرفتهم عن هذا العلم وكتبه القديمة.

وكانت صلتي تزداد بكتب علم التجويد القديمة، ومعرفتي بها تتسع، من خلال تتبعي الدائم لمخطوطات هذا العلم في فهارس المكتبات، حتى حصلت لديَّ قناعة كاملة في أن كتب هذا العلم القديمة تستحق كل جهد من أجل نشرها محققة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت