وانظر كيف كسا العظام العريضة كعظام الظهر والرأس كسوة من اللحم تناسبها، والعظام الدقيقة كسوة تناسبها كالأصابع، والمتوسطة كذلك كعظام الذراعين والعضدين.
فهو مركب على ثلاثمائة وستين عظم مائتان وثمانية وأربعين مفاصل، وباقيها صغار حشيت خلال المفاصل، فلو زادت عظمًا واحدًا لكان مضرة على الإنسان يحتاج إلى قلعة ولو نقصت عظمًا واحدًا كان نقصانًا يحتاج إلى جبره.
فالطبيب ينظر في هذه العظام وكيفية تركيبها ليعرف وجه العلاج في جبرها، والعارف ينظر فيها ليستدل بها على عظمة باريها وخالقها وحكمته وعلمه ولطفه، وكم بين النظرين.
ثم إنه سبحانه ربط تلك الأعضاء والأجزاء بالرباطات، فشد بها أسرها وجعلها كالأوتار تمسكها وتحفظها حتى بلغ عددها إلى خمسمائة وتسعة وعشرين رباطًا، وهي مختلفة في الغلظ والدقة والطول والقصر والاستقامة والانحناء بحسب اختلاف مواضعها ومحالها.
فجعل منها أربعة وعشرين رباطًا آلة لتحريك العين وفتحها وضمها وأبصارها لو نقصت منهن رباطًا واحدًا اختل أمر العين، وهكذا لكل عضو من الأعضاء رباطات هن له كالآلات التي بها يتحرك ويتصرف ويفعل، كل ذلك صنع الرب الحكيم، وتقدير العزيز العليم في قطرة ماء مهين، فويل للمكذبين، وبعدًا للجاحدين.
ومن عجائب خلقه أنه جعل في الرأس ثلاث خزائن نافذًا بعضهما إلى بعض خزانة في مقدمة، وخزانة في وسطه، وخزانة في آخره، وأودع تلك الخزائن من أسراره ما أودعهما من الذكر والفكر والتعقل.