الصفحة 31 من 1034

الطَّاغُوتَ، ثم استدل سبحانه على وجوب عبادته وحده بأنه ربكم الذي رباكم وربى جميع العالمين بأصناف نعمه، ثم عدد جل وعلا بعض نعمه المتظاهرة عليهم الموجبة لعبادته والشكر له، فجعل منها خلقهم بعد العدم أحياء قادرين على العمل والكسب، فقال: {الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم} أي إن هذا الرب العظيم القدير المتصف بتلك الصفات التي تعلمونها هو الذي خلقكم، وخلق من قبلكم، ورباكم وربى أسلافكم، ودبر شئونكم ووهبكم من طرق الهداية ووسائل المعرفة، مثل ما وهبهم، فاعبدوه وحده، ولا تشركوا بعبادته أحدًا من خلقه.

وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي خلقكم لتتقوه وحده، والتقوى: التحرز طاعة الله عن معصيته، فهي كلمة جامعة لفعل المأمورات، وترك المنهيات ولتعبدوه، كقوله: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} ، وقيل: معناه اعبدوه لتتقوا.

ثم ذكر خصائص الربوبية التي تقتضي الاختصاص به تعالى، فقال: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا} ، وإنما سميت الأرض أرضًا؛ لسعتها من قولهم: أرضت القرحة: إذا اتسعت، وقيل: لانحطاطها عن السماء، وكل ما سفل أرض، وقيل: لأن الناس يرضونها بالأقدام، وقوله: {فِرَاشًا} ، أي بساطًا يمكنكم أن تستقروا عليها وتفترشوها وتتصرفوا فيها، وتنتفعون بالأبنية والزراعة والحراثة والسلوك من محل إلى محل، ثم أتبع نعمة خلق الأرض التي هي مسكنهم بنعمة جعل السماء بناء وهو السقف، كما قال في الآية الأخرى: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} .

وإذا تأمل الإنسان المتفكر في العالم وجده كالبيت المعمور فيه كل ما يحتاج إليه، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض مفروشة كالبساط والنجوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت