فقال: «نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» [البخاري] .
3 -وحال الدعوة إلى الوليمة اليوم حال تسخط منها النفوس، ويخاف منها الإصابة بجائحة، تبديل هذه النعم إلى نقم، وتحول الغنى إلى فقر، فالوليمة اليوم لا يدعى إليها إلا الأغنياء والرؤساء ومن لديهم المصالح المشتركة، أما الفقراء والمساكين فلا يجزأن يدعو إليها، وهذا والله من الجهل المركب لدى كثير من الناس، فبئس طعام الوليمة يدعى إليه الأغنياء ويترك الفقراء، بل هل ينصر النَّاس ويرزقون إلا بضعفائهم وفقرائهم، كما جاء ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومما يجعل العقول منذهلة مستغربة مستنكرة أن البعض لا يرضى بالدعوة إلا إذا كان فيها أصناف الطعام وألوانه، وأشكاله وأطايبه، فإن لم يكن ذلك موجودًا ما أعار تلك الدعوة اهتمامًا، ولا أقام لها وزنًا ولا قدرًا، وهذا من ضعف اليقين وقلة الدين، والتكبر والغرور على نِعَم الله وعباد الله، فأين أولئك من قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «لو دعيت إلى كراع أو ذِراع لأجبت، ولو أهدي إليَّ ذِراع أو كراع لقبلت» [البخاري] .
فانظر إلى المعلم الأول صلوات ربي وسلامه عليه، كيف يسطر لأمته هذا الأدب الرائع مع نِعَم الله وعدم ازدرائها أو احتقارها، وكيف يعلم الأمة الأدب في إجابة الدعوة، وصدق الله إذ يقول: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَاتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112] .
هذا هو التواضع لله ولعباد الله ولنعم الله، ما اتصف بها عبد من عباد الرحمن إلا زاده الله بها رفعة وعزًّا في الدنيا والآخرة.