أما الأحكام الفقهية الخاصة بالمسجد الأقصى فمن أشهر الكتب التي تحدثت عنها وسجلتها وجمعتها: إعلام الساجد للزركشي، وتحفة الراكع للجراعي، إلا أنهما مع فائدتهما الكبيرة قد خلطا بين الأحكام الفقهية والخصائص وبعض الخرافات، واستشهدا ببعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة، دون بيان ذلك.
إلا أنه قبل الحديث عن الأحكام الفقهية المتعلقة بالمسجد الأقصى المبارك لا بد من إعطاء لمحة موجزة عن بيت المقدس وموقعه وسكانه، وعن المسجد الأقصى المبارك وسيرته، حتى يكون القارئ على علم بهما، إذ لا يعقل أن نتحدث والأحكام الخاصة به، دون معرفة موجزة عنه وعن بيت المقدس، وخاصة أن القدس مدينة مقدسة منذ فجر التاريخ، ولم تلعب مدينة من المدن القديمة على وجه البسيطة الدور الذي لعبته مدينة القدس، علمًا بأن اليهودية العالمية تهددها ومسجدها وتتآمر لهدمه بحجة أنه يقع مكان هيكلهم، والأقصى اليوم يقع في أسرها، وتمهد ليل نهار لهدمه بالاعتداءات والحفريات من كل جانب، وسيتم بحث ذلك في تمهيد ومبحثين.
المبحث الأول: المسجد الأقصى وقبة الصخرة، سيرتهما وفضائلهما.
المبحث الثاني: الأحكام الفقهية الخاصة بالمسجد الأقصى.
تمهيد: بيت المقدس، نشأته وسيرته وسكانه.
سكن البشر مدينة القدس منذ القدم، ويؤيد ذلك ما ورد في الصحيحين من حديث أبي ذر رضي الله عنه، قال:"قلت، يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولًا؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة" [1] ، وهذا يقتضي أن هذه المنطقة قد سكنت بعد بناء المسجد فيها.
ومما يجدر ذكره أنه في أواخر العصر الحجري النحاسي أي نحو عام (3000) ق. م بدأت مقدمات الهجرات السامية تتحرك من الجزيرة العربية باتجاه فلسطين ومختلف بلاد الشام [2] ، ومن هذه الهجرات (الأمورية، الكنعانية) التي سكنت فلسطين، ومن قبائلهم اليبوسيون الذين سكنوا القدس وما حولها [3] .
ويبدو أن اختيار القدس للسكنى من قبلهم رغم قلة مائها ووعورة أرضها كان بسبب مجاورتها المنطقة التي يقع عليها المسجد الأقصى [4] . وكان أحد ملوكهم وهو ملكي صادق قد اعتقد هو وجماعته بالله العلي العظيم واتخذ من بقعة الحرم الشريف معبدًا له، وخاصة موقع الصخرة المشرفة، وهي المغارة التي بنيت عليها قبة الصخرة فيما بعد [5] .
(1) مسلم، صحيح مسلم، حديث رقم (520) مؤسسة مناهل العرفان، والبخاري، صحيح البخاري، حديث رقم (3366) نشر رئاسة الإفتاء، السعودية، اما أن المسجد الأقصى بُني في عهد آدم عليه السلام، فذلك ما أثبته ابن حجر في الفتح، جـ6، ص 409.
(2) العارف، المفصل في تاريخ القدس، جـ1، ص1، مطبعة المعارف، القدس، ط1، 1961م.
(3) المرجع السابق.
(4) شفيق، تاريخ القدس، 39، والعارف، المفصل: جـ1، ص2.
(5) الدباغ، بلادنا فلسطين، 9، ق2 في بيت المقدس 1/ 26، ط1، 1975، رابطة الجامعيين الخليل.