كذلك يخاطب الله جل شأنه هذا الإنسان ممتنًا عليه ومظهرًا لتكريمه على غيره بأنه سخر له ما في السموات وما في الأرض: {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [الجاثية آية (13) .] فكل ما في الآية من تسخير ما في السموات وما في الأرض لهذا الإنسان يدل على سيادته لهذه المخلوقات وعظم مسؤوليته في هذه الحياة ومن ثم استخلفه الله في هذه الأرض: {إني جاعل في الأرض خليفة} [البقرة آية (30) .] فيجب عليه أن يفهم مكانته ويعي مسئوليته ويقوم بما نيط به لقاء ما أنعم الله عليه به.
3 ـ والبحث في معنى الآيتين السابقتين: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا} ، {وسخر لكم ما في الأرض جميعًا منه} يدعو إلى مناقشة مسألة جرى الخلاف فيها وهي: (هل الأصل في الأشياء الإباحة أو التحريم) .
وتحرير محل النزاع في هذه المسألة أن يقال: الأشياء مثلًا لها ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون فيها ضرر محض ولا نفع فيها البته كأكل الأعشاب السامة القاتلة.
الثانية: أن يكون فيها نفع محض ولا ضرر فيها أصلًا.
الثالثة: أن يكون فيها نفع من جهة وضرر من جهة.
فما كان فيه ضرر محض أو كان ضرره أرجح من نفعه أو مساويًا له فهو حرام لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (لا ضرر ولا ضرار) [حاشية الشنقيطي على روضة الناظر ببعض تصرف ص20.] ولقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} وقوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} .
وما كان نفعه خالصًا أو معه ضرر خفيف والنفع أرجح منه فهذا موضع الخلاف على ثلاثة أقوال:[حاشية الشنقيطي على روضة الناظر ص19.
بزيادة يسيرة.].
القول الأول: أنها على الإباحة لعدة أدلة منها: