في بلاد الشام ومصر والمغرب، والحميني اليماني القديم، وإما البدوي الذي يحاول الاقتراب من شكل القصيدة وإن كان الغالب عليه أن يكون للأشطر الأولى قافية وللأشطر الثانية قافية.
ومع الشعر كان لابد للنثر الشعبي أن يظهر قرينًا للنثر الفصيح، وقد تأخر الشعبي منه كما تأخر الشعر من قبل، لكنه استقر على أن يكون على نسق قصص العشاق أو على نسق ألف ليلة وليلة، التي بدأت قصصها تتجمع منذ القرن الرابع الهجري، أو على نسق قصص الأبطال البدوية من نحو تغريبة بني هلال وأبي زيد الهلالي وسيف بن ذي يزن وما إلى ذلك، أو على نسق المجالس الحسينية ومجالس الصوفية التي تذكر فيها كراماتهم.
وطبعًا لم تنقطع ولادة الأمثال ولا توقف توليد الكنايات ولا ضعفت آداب المجالس والمناسبات الشعبية والاجتماعية والدينية إذ هي من لوازم الحياة وبطانتها وحاشيتها.
ويبدو الكلام في هذه الموضوعات وكأن له أولًا ولا آخر له ولهذا من حقكم علينا أن نريحكم قليلًا من المضي فيه لنقف عند جوهر الموضوع:
فما مفهوم الأدب الشعبي وما خصائصه في ظل هذه الأسس والاستطرادات؟
واضح أن هذه الشجون تؤدي إلى خزانة عامرة تضم تراثًا ثقيلًا يتمثل في ما نحصده من ثمرات الحياة الشعبية التي عمرت بالتجارب بفعل الظروف والبيئة وطراز الحياة والتداعي من صورة إلى صورة خلال القرون.
ونعني بهذا كله أن الأدب الشعبي هو العبارات والجمل والأمثال والأشعار والخطب والقصص والأساطير التي تنعكس من ضمير الشعب وقلبه وعقله انعكاسًا مطبوعًا لا مصنوعًا لتجعل منه مجتمعًا له خصائصه المتميزة وطابعه الخاص، وكلها حصيلة حياته وجهد الباحثين من حيث كونهما معبرين حقيقيين عن حقائق أدبية واقعة فعلًا دون تكلف أو تزيد.
ويدخل في هذا المفهوم الكنايات والأمثال والتعليقات والأشعار والقصص، حتى الخيالي منها، والنضال المسجل شعرًا ونثرًا، وتخرج منه طبعًا النصوص التي قيلت احترافًا أو تكليفًا وبطريقة لا تجعل منها فكرًا يمثل أغلبية الناس أو يماس ما تضمره نفوسهم، وهذا يعني أن أغاني الراديو والتلفزيون والقصص والمسلسلات والمسرحيات لا تعد أدبًا شعبيًا قبل مرور وقت كاف يجعل منها تراثًا للشعب لا اجتهادًا أو شعورًا، صدق أم كذب، لفرد معين.