و أما بالنسبة لفكر الجابري فهو أكثر قوة و ترابطا ،و عمقا و إثراء بالمقارنة إلى فكر أركون ، لكنه فهو أيضا يُعاني من التفكك و التنافر على مستوى البناء الداخلي للأفكار و المفاهيم ،و قد فصلنا بعض ذلك في مبحث نظرة الجابري إلى المدرسة المغربية و الأندلسية ،و إغفاله لمدرسة أهل الحديث. كما أن دراستنا لفكره من الناحية التاريخية و المنهجية أظهرت أن فكره يتضمن كثيرا من العيوب و النقائص ،و المغالطات ،و الأباطيل ،و قد ذكرنا نماذج كثيرة من ذلك فيما تقدم من كتابنا هذا .
و ختاما لهذا الفصل أُشير هنا إلى أنه تبين لي من دراستي لفكر أركون و الجابري أنه يُوجد بينهما نوع من التكامل و التخصص على المستوى الفكري ، و تعاون و تواصل على مستوى العلاقات الشخصية ، فبخصوص التكامل الفكري بين الرجلين ، فكل منهما ركّز في دراسته للإسلام و العقل المسلم ، على جانب مغاير للجانب الذي ركّز عليه الآخر . فأركون ركّز على الجانب النظري و العقدي، و الجابري ركّز على الجانب اللغوي و الفلسفي و القومي و التاريخي ، الأمر الذي أوجد نوعا من التكامل بين المشروعين، لكنه تكامل يقوم على هدم الإسلام و تاريخه ،و لا يقوم على بنائهما .و قد اعترف أركون بأنه توجد أعمال فكرية قليلة جدا، تصب في المجالات التي كتب هو فيها ، فذكر من بينها أعمال محمد عابد الجابري (1) .
و أما على مستوى العلاقات الشخصية بين الرجلين ، فهي علاقات قوية حميمية ، وصفها الجابري بأنها علاقات صداقة، و زمالة ، و أخوة (2) . و لعلل هذه العلاقات القوية هي السبب في سكوت كل منهما على أخطاء الآخر ، فلم أعثر على أي انتقاد وجهه أحدهما إلى الآخر ، في أبحاثهما -التي أطلعت عليها- ، رغم أنها كثيرا ما تعرضت إلى مواضع متشابهة تتضمن إشكالات ، كالتي تتعلق بتاريخ القرآن ،و السنة النبوية، و نشأة الفقه الإسلامي .
(1) الفكر الأصولي ، ص: 97 ، 185 .
(2) التراث و الحداثة ، ص: 32 .