تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 2، ص: 270
إلا الشّريد؛ تركناهم، ارجعوا إليهم، فاستأصلوهم، فلمّا عزموا على ذلك ألقى اللّه في قلوبهم الرّعب، يعني: الخوف الشديد، كما قال اللّه تعالى في سورة (الحشر) : وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ حتّى رجعوا عمّا همّوا به، فعلى هذا القول يكون الوعد بإلقاء الرّعب في قلوب الكفار مخصوصا بيوم أحد. وقيل: إنّه عام، وإن كان السبب خاصّا، وقد ثبت في الصّحيحين عن جابر بن عبد اللّه- رضي اللّه عنه-: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «أعطيت خمسا، لم يعطهنّ أحد من الأنبياء قبلي:
نصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا، وطهورا، وأحلّت لي الغنائم، وأعطيت الشّفاعة، وكان النّبيّ يبعث إلى قومه خاصّة، وبعثت إلى النّاس عامّة».
هذا؛ والرُّعْبَ يقرأ بضم العين، وسكونها. قال عيسى بن عمر- رحمه اللّه-: كلّ اسم ثلاثي يجوز فيه ضم العين، وسكونها، وذلك مثل عسر، ويسر، وحلم ... إلخ.
بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا أي: حجّة، وبرهانا. وسمّيت الحجّة:
سلطانا؛ لأن السّلطان مشتقّ من السّليط؛ وهو ما تستصبح به. وقيل: السّلطان: القوّة، والقدرة، وسمّيت الحجّة سلطانا؛ لقوّتها في دفع الباطل. وقال بعض المفسّرين المحقّقين: سمّيت الحجّة سلطانا؛ لأنّ صاحب الحجّة يقهر من لا حجّة له، كالسّلطان بقهر غيره. وقال الزجّاج:
السّلطان: هو الحجّة، وسمّي السّلطان سلطانا؛ لأنّه حجّة اللّه في أرضه، هذا؛ وجمعه بمعنى الحاكم، والمالك: سلاطين، ولا يجمع إذا كان بمعنى الحجّة، والبرهان.
هذا؛ والإلقاء يستعمل حقيقة في الأجسام، قال تعالى في سورة (الأعراف) : وَأَلْقَى الْأَلْواحَ. وقال في سورة (الشّعراء) : فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ. وقال فيها أيضا: فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ كما قد يستعار للمعاني، كما في هذه الآية، وكقوله تعالى في سورة (طه) : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي.
وَمَأْواهُمُ النَّارُ: مستقرّهم، وملجؤهم النّار، وبئس القرار! وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ: مأواهم، والفرق بين مأوى، ومثوى: أن المثوى مكان الإقامة المنبئة عن المكث، وأما المأوى فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان ولو مؤقّتا، وقدّم المأوى على المثوى؛ لأنه على التّرتيب الوجودي، يأوي، ثم يثوي. انتهى جمل. واللّه أعلم بمراده.
الإعراب: سَنُلْقِي: السين: حرف استقبال. (نلقي) : فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: نحن. هذا؛ ويقرأ: (سيلقي) على أنّ الفاعل يعود إلى (اللّه) ، وعلى القراءة الأولى يوجد التفات من الغيبة إلى التكلّم، وعلى هذه القراءة لا يوجد التفات. فِي قُلُوبِ: جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما، وقُلُوبِ مضاف، والَّذِينَ: مضاف إليه مبني على الفتح في محل جر، وجملة: كَفَرُوا مع المتعلّق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. الرُّعْبَ: مفعول: (نلقي) . بِما: الباء: حرف