وصفوان [1] ، وغير هؤلاء، حتّى قال الحسن بن أبي الحسن البصري: حدثني سبعون من أصحاب محمد - صلّى الله عليه وسلم - أنّه مسح على الخُفَّينِ [2] ، فجرى هذا مَجرَى التّواتُر.
وحديث المغيرة كان في غَزوة تَبُوك- كما بيَّنَّاهُ- سنة تسع من الهجرة، فسقط بهذا قول من يقول: إنّ آية الوضوء مَدَنِيَّةٌ والمسح منسوخٌ بها؛ لأنّه متقدِّم، وغَزْوة تَبُوك متأخِّرة، وهي آخر غزواته من المدينة، والمائدة نزلت بالمدينة قبل هذا. حتّى تأوّل جماعة من العلماء قوله عَزَّ وَجَلَّ: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [3] في قراءة من خفض [4] إنّه أراد إذا كانا في الخُفِّين.
وممّا يدلُّ على أنّ المسح غير منسوخ، حديث جرير؛ أنّه رأى رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- يمسحُ على الخُفِّين، وكان يعجبهم [5] ؛ لأنّ جريرًا أسلم بعد المائدة حين رَوَى المسح عن النَّبيِّ -صلّى الله عليه وسلم- [6] .
وأيضًا: فإنّ حديث المغيرة في المسح كان في السَّفَر، فأعجبهم استعمال جرير له في الحَضَر وأنّه لم ينسخه شيءٌ:
مزيد بيان:
فإن قيل: قد روي عن مالكٌ إنكار المسح على الخُفَّين في السَّفَر والحَضَر.
الجواب عنه من وجهين:
أحدهما [7] : أنّ هذه رواية أنكرها أكثر القائلين بها، والرِّوايات عنه بإجازة المسح
(1) هو صفوان بن عسّال.
(2) أخرجه ابن المنذر في الأوسط 1/ 433.
(3) المائدة: 6.
(4) وهي قراءة ابن كثير وحمزة وأبي عمرو، انظر السبعة في القراءات لابن مجاهد: 242، والكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها: 1/ 406.
(5) رواه البخاريّ (387) ، ومسلم (272) .
(6) تتمة الكلام كما في شرح ابن بطّال:"... بعد نزول المائدة، ولم يقل لهم النّبيّ عند نزول المائدة أنّ هذه الآية قد نسخت المسح على الخفَّين"
(7) هذا الجواب مقتبس من الاستذكار: 1/ 272 (ط. القاهرة) .