قاله بعض العلّماءِ: إنّه يعزَّر وينكَّل إذا أُشكِلَ أَمرُهُ وتعلّقَتِ الظِّنَّةُ به.
مسألة [1] :
وقوله [2] : إِنَّ عُمَرَ استَشَارَ في الخَمرِ وَجَوَابُ عَلِيٍّ، يدلّ على أنّه استشارَ في قَدرِ الحدِّ، وإنّما كان ذلك لأنّ الأصحّ أنّه لم يتقدَّم في زمَنِ النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - قَدرٌ لا يُزاد عليهِ ولا ينقص منه، وإنّما كان يضربُ مقدارًا قَدَّرَتهُ الصّحابة، واختلفوا في تقديره.
يدلُّ على ذلك: ما رُوِيَ عن عليَّ أنّه قال:"مَا من رَجُلٍ أَقَمتُ عَلَيهِ الحَدَّ فَمَاتَ، فَأَجِدُ في نّفْسِي منه شَيئًا إِلَّا شَارِب الخّمْرِ فَإِنَّهُ إنَّ مَاتَ فيه وَدَيتُه؛ لأنّ رسولَ الله - صلّى الله عليه وسلم - مَاتَ وَلَمْ يَسُنَّهُ" [3] ، ومعناه: لم يحدّه بحدٍّ يمنعُ الزِّيادةَ فيه والنّقص منه.
وقد [4] كان - صلّى الله عليه وسلم - يَجْلِدُ في الخّمْرِ بِالنِّعَالِ، وَالجَرِيدِ [5] ، وَالثِّيَابِ، مِن غَيرِ تَقدِيرٍ وَلا تحدِيدٍ، إِلَّا أنّ الصّحابةَ قدَّرُوها بالأربعينَ، واستمرّتِ الحالُ على ذلك خلافةَ أبي بكرٍ، فلمّا تَتَايَعَ النَّاس في زمنِ عمرَ استشارَ في حدِّ الخمرِ، فقالَ له عليّ:"إِذَا سَكِرَ هذَى. وإِذَا هَذَى افتَرَى فَاجلِدْهُ حَدَّ الفِريَةِ أَوِ المُفتَرِي" [6] ، فكان هذا اتِّفاقًا من الصَّحابة على إثباتِ الأحكامِ بالقياس. ثمَّ جلدَ علىٌّ الوليدَ بنَ عقبةَ في زمنِ عثمانَ أربعينَ [7] ، ثمَّ استقرَّتِ الحالُ عندَ استواءِ الأمر لمعاويةَ على ثمانينَ، وقال بذلك مالك وأبو حنيفة [8] .
(1) الفقرتان التاليتان من هذه المسألة إلى قوله:"يمنع الزِّيادة فيه والنّقص منه"نقلهما المؤلِّف من المنتقى: 3/ 143 - 144.
(2) أي قول ثَوْر بن زَيد الدِّيليّ في الموطَّأ (2442) رواية يحيى، ورواه عن مالك: أبو مصعب (1866) ، ومحمد بن الحسن (710) .
(3) أخرجه البخاريّ (6778) ، ومسلم (1707) ، وانظر أحمد: 1/ 125، 130، وابن ماجه (2569) ، وأبو يعلى (336، 514) .
(4) انظر الكلام التالي القبس: 2/ 655 - 656.
(5) أخرجه البخاريّ (6773) ، ومسلم (1706) من حديث أنس.
(6) أخرجه مالك في الموطَّأ (2442) رواية يحيى.
(7) أخرجه مسلم (1707) من حديث أبي ساسان حُضَيْن بن المنذر.
(8) انظر المبسوط: 24/ 3.