وقولُه [1] : {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} [2] معناه: وما صِيدَ، أي: مَا صَادَهُ [3] {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} خرجَ مخرَجَ قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [4] والكلامُ يدلُّ على أنّهم سألوا عن الصَّيدِ فيما ساَلُوا عنه، وذلك مذكورٌ في الحديث، رُوِيَ عن زَيد الخَيل وعَدِيّ ابنِ حَاتِم أنّهما قالا: يا رسولَ اللهِ، إنَّ لَنَا كِلابًا نَصِيدُ بِهَا البَقَرَ وَالظِّبَاء، فَمِنهَا مَا ندرِك وَمِنهَا مَالَا ندرك إِلَّا ميتًا، وَقَد حَرَّمَ اللهُ المِيتَةَ، فَسكتَ عنهُمَا رَسُول اللهِ - صلّى الله عليه وسلم - فَاَتزَلَ اللهُ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} الآية [5] .
وَرَوَى أبو رَافِع قال: جاءَ جبريلُ إلى النَّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - يَسْتَأْذِنُ عَلَيهِ فَأذِنَ لَهُ فَقَال: قَد أَذِنَّا لَكَ يَا رَسُول اللهِ، قَالَ: أَجَل، وَلَكِنَّا لَا نَدخُلُ بَيتًا فِيهِ كَلبٌ [6] ، قال أَبُو رَافِع: فَأَمَرَ أنّ نَقتُلَ الكِلَابَ بِالمَدِينَةِ، فَقَتَلْتُ حَتى انْتُهَيتُ إِلَى امرَأَةٍ عِندَهَا كَلبَّ يَنْبَحُ عَلَيهَا، فَتَرَكتُه، ثُمَّ جِئتُ رَسُولَ اللهِ - صلّى الله عليه وسلم - فَأَخبَرتُهُ، فَأَمَرَنِي بِقَتلِهِ، فَسَكَتَ، فَأتزَل اللهُ تَعَالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} الآية [7] ، وَهَذَا هو الصَّحِيحُ،
وقوله [8] : {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ} فالجوارحُ معناها: الكَوَاسِب، جرح إذا كسب، فالجوارحُ هي الّتي يُصَادُ بها، وهي الكلابُ والفهودُ والبُزَاةُ والصُّقُورُ، وما أَشبَهَ ذلك.
ومن أهل العلم من قال: لا يُؤكَل إِلَّا صيدُ الكلابِ.
(1) هذه الفقرة اقتبسها المؤلِّف - بتصرُّف - من المقدِّمات لابن رشد 1/ 417 - 418.
(2) المائدة: 4.
(3) في المقدِّمات:"معناه: وصَيدُ ما علّمتم من الجوارح".
(4) يوسف: 82.
(5) المائدة: 4، والحديث أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، وانظر أسباب نزول القرآن للواحدي: 184 - 185، وتفسير القرطبي: 6/ 65، والدر المنثور: 2/ 260. وفي سند الحديث ابن لهيعة.
(6) ورد نحو هذا في مسلم (2104) عن أبي حازم، وعن عائشة.
(7) أورد. الواحدي في أسباب نزول القرآن:184، والحديث أخرجه الحاكم: 2/ 311 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"."
(8) من هاهنا إلى بداية النّكتة مُقتَبَسٌ من المقدِّمات لابن رشد: 1/ 418.