وقال أبو حنيفة [1] : يَقتُلُ [2] ابتداءً الذِّئب والكلب العَقُور والغُراب والحَدأَة ولا جزاء عليه، وكذلك إنَّ قتل أسدًا أو نمرًا وكل ما يعقر النَّاس؛ لأنّ الكلب مأخوذ من التَّكَلُّب، ومنه قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} [3] والعَقُور مأخوذ من العَقْر، وقد رُوي عن أبي هريرة -وهو قول أهل اللِّسان [4] - أنّه قَال [5] الكلب العَقُور هو الأسد [6] .
ودليلنا من جهة القياس: أنّ هذا حيوان يلحق الضَّرَرُ من جهته بالعدوان والافتراس غالبًا، فجاز للمُحْرِمِ أنّ يبتدئه بالقتل، كالذِّئب والكلب العَقُور وغيره. وقال الشّافعيُّ [7] : كلُّ حيوانِ يحرمُ أكلُه فإنّه مباحٌ للمُحْرِمِ قتله، إلّا السَّبع وهو المتولِّد من الذِّئب والضّبع.
ودليلنا قوله: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ...} الآية [8] ، والصَّيد اسمٌ واقعٌ على كلِّ مستوحشٍ [9] سواء كان ممّا يُؤكَل لَحمه أو لا يؤكل.
ومن جهة المعنى: أنّ هذا حيوان وحشيّ لا يبتدىء بالضَّرَر غالبًا، فوجب الجزاء على مَنْ قَتَلَه مُحْرِمًا، كالضّبع [10] والثَّعْلَب.
المسألة الثّانية [11] :
قوله:"الحِدَأَةُ والعَقْرَبُ"قال ابنُ القصَّار: نَصَّ النَّبيُّ - صلّى الله عليه وسلم - عليها، ونَبَّهَ بذلك على ما هو أكثر ضَرَرًا منها، وهذا يحتاج إلى تأصيل [12] ؛ لأنّه ليس في جنسها ما يبلغ ضررها؛ لأنّ أكثر ضررها ليس بشدّة فيها، وإنّما هو لِكَثْرَتِهِا ودَنُوِّهَا من النَّاس وطلبها
(1) انظر الأصل: 2/ 445، ومختصر اختلاف العلماء: 2/ 120.
(2) أي المُحْرِمُ.
(3) المائدة: 4.
(4) في المنتقى:"وهو من أهل اللّسان"وهو الأنسب.
(5) "قال"ساقطة من الأصل، واستدركناها من المنتقى.
(6) أخرجه عبد الرّزّاق (8379) .
(7) انظر الأم: 3/ 464.
(8) المائدة: 96.
(9) في المنتقى:"متوحش يصطاد".
(10) في الأصل المخطوط:"كالسبع"والمثبت من المنتقى.
(11) هذه المسألة مقتبسة من المنتقى: 2/ 261.
(12) في المنتقى:"وهذا الكلام يحتاج إلى تأمُّل".