فهرس الكتاب

الصفحة 1401 من 3915

كونهم كُفَّارًا لكان الذَّمَّ لاحقًا بهم، فعلمنا [1] أنَّ الذَّمَّ لم يختصّ بالسجود [2] .

ويُؤَيِّد هذا قولُه تعالى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ} [3] ولم يقع الوعيد إلَّا على التّكذيب. وقوله: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [4] هو أمرٌ له بالصَّلاةِ وتعليمٌ له، وقد تقدَّمَ أنَّ [5] سجودَ القرآن إنّما هو بلفظ الخبر، وما جاء بلفظ الأمر إنّما هو تعليم له بالصّلاة وأمرّ له بالسُّجودِ فيها.

2 -والحُجَّةُ الثّانية لنا- هو الّذي عوَّلَ عليه علماؤنا-: حديث عمر الثّابت [6] حين قال:"إنّ اللهَ لَم يَكْتُبهَا عَلَيْنَا"وهو على المِنْبَر، وسجدَ النَّاسُ معه.

وقوله [7] :"إلَّا أنّ نَشَاءَ"هي [8] عند أشياخنا على النَّدْبِ والتَّرغيب، وفي فعله دليلٌ أنَّ على العلماء أنَّ يبيِّنُوا كيفَ لزوم السُّنَن إنّ كانت على العَزْمِ أو النَّدْبِ أوِ الإباحة، وكان عمر -رضي الله عنه- من أشدِّ النّاس تعليمًا للمسلمين، كما تأوّل له رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - في الرُّؤيا أنّه استحالت الذُّنوب بيده فتأوّله [9] العلم. ألَّا ترى قول عمر حين رأى أنّه قد بلغَ من تعليم النَّاس إلى غاية رَضِيَها، قال: قد سُنَّتْ لَكُمُ السُّنَنُ، وفُرِضَتْ لَكُمُ الفرائِضُ وتُرِكْتُم على الواضِحَةِ [10] ، فأَعْلَمَنَا بهذا القول أنّه يجبُ أنَّ يُفصل بين [11] السُّنَن والفرائض.

فمالك [12] - رحمه الله - يرى السُّجود واجبٌ وجوبَ السُّنَنِ لا وُجوبَ الفَرائِضِ الّتي من تَرَكَها أَثِمَ. وأبو حنيفة يقول: هو واجبٌ وجوبَ الأَمْرِ، ومن تَرَكَهُ أَثِمَ. وقول مالكٌ هو الصّحيح؛ إذ ليس في وجوبِ ذلك عندَهُ نصٌّ في القرآن ولا في

(1) جـ:"فقلنا".

(2) غ:"السجود"، جـ:"للسجود"ولعل الصواب ما أثبتناه.

(3) الانشقاق: 22.

(4) العلق: 19، وانظر أحكام القرآن: 4/ 1960.

(5) غ:"لأنّ".

(6) في الموطّأ (551) رواية يحيى.

(7) أي قول عمر في حديث الموطّأ السّابِقِ ذِكْرُهُ.

(8) جـ:"فهي".

(9) في شرح ابن بطّال:"فتأول له".

(10) أخرجه مالكٌ في الموطّأ (2383) رواية يحيى.

(11) في النسختين:"تفصل بعض"والمثبت من شرح ابن بطّال.

(12) من هنا إلى آخر الفقرة مقتبس من المقدِّمات الممهدات: 2/ 192 - 193.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت