المسألة الثّانية [1] :
اختلفَ العلماءُ في القصرِ الّذي رفعَ اللهُ الجُنَاح فيه بقوله: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ} الآية [2] ، على خمسة أقوال:
الأوّل: أنّه أراد به القصر من طُولِ القراءة والرّكوع والسّجود، دون أنّ ينقص من عدد الرَّكعات عند الخوف قبل أنّ تنزل صلاة الخوف.
والقولُ الثّاني: أنّه [3] القصر من حدود الرَّكعات [4] بصلاتهم إيماءًا إلى القِبْلَةِ، وإلى غير القبلَةِ عند شِدَّةِ الخوف والتحام الحرب، كقوله في آية البقرة: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [5] .
والقولُ الثّالث: أنّه القصر من أربع ركعات إلى ركعتين عند الخوف.
الرّابع: أنّه القصر من ركعتين إلى ركعة عند الخوف، وعلى هذا يأتي ما رُوِيَ عن رسول الله - صلّى الله عليه وسلم -؛ أنّه صَلَّى بكلِّ طائفةٍ ركعة ولم يقضوا [6] [7] .
والخامس: أنّه القصر من أربع إلى ركعتين في السَّفَر من غير خوفٍ، على ما رُوِيَ عن علي بن أبي طالب؛ أنّه قال: سأل قومٌ من التُّجَّارِ رسول الله - صلّى الله عليه وسلم: إنَّا نضربُ في الأرض، فكيف نصلِّي؟ فأنزلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ} وانقطعَ الوحيُ، فلمّا كان بعد ذلك بحَوْلٍ، غَزَا رسولُ الله - صلّى الله عليه وسلم - فصلَّى الظُّهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمدٌ وأصحابُه منَ ظهورهم، هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إنّ لهم أخرى مثلها في إثرها. فأنزل اللهُ بين الصّلاتين: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية، وقوله: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} الآية [8] ، فنزلت في صلاة الخوف [9] . ومن هنا قال بعض
(1) هذه المسألة مقتبسة من المقدِّمات الممهدات: 1/ 208 - 209، 211.
(2) النِّساء: 101.
(3) "أنّه"زيادة من المقدِّمات.
(4) في المقدِّمات:"الصّلاة".
(5) البقرة: 239.
(6) في النُّسَخِ:"يقصر"والمثبت من المقدِّمات والمصادر.
(7) أخرجه ابَن خزيمة (1347) ، والطبراني في الأوسط (8981) من حديث جابر بن عبد الله.
(8) النِّساء: 101 - 102.
(9) حديث علي أخرجه الطّبريّ في تفسيره: 7/ 407 (ط. هجر) ، وانظر تفسير القرطبي: 5/ 362.