الجواب: يجاب عن هذا: بأنه لو كان كذلك لفعله النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ ولو مرة في العمر لإسقاط الواجب، لكنه لم يمسح ما دون الناصية قطعا، وليس في الشرع واجب أو جائز لم يبينه الشارع بفعل أو بتعليم، بل الذي فعله النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ ربع الرأس مرة واستيعابه الرأس مرة أخرى كذا قيل.
وأيضا لا يمكن المسح على شعره إلا بالزيادة عليها. وما لا يمكن الواجب إلا به فهو واجب فالزيادة واجبة. [1]
ويقول السرخسي في أصوله: إن القول بالتبعيض لا وجه له، لأن الموضوع للتبعيض حرف"من"والتكرار والاشتراك لا يثبت بأصل الوضع. [2]
ويقول النسفي في كشف الأسرار: التبعيض لا يعرفه أهل اللغة بالنسبة لباء كذا قاله ابن جني، والموضوع للتبعيض حرف"من"فلو كان الباء للتبعيض لتكررت الدلالة عليه. وهو ليس بأصل في الكلام، ولأنه لو كان للتبعيض مع أنه للإلصاق يكون مشتركا، والأصل عدم الاشتراك. [3]
ويقول إمام الحرمين في البرهان: ذهب بعض فقهائنا إلى أن الباء إذا اتصل بالكلام مع الاستغناء عنه اقتضى تبعيضا، وزعموا أنه في قوله تعالى:"وامسحوا برءوسكم"يتضمن ذلك. وهذا خلف من الكلام لا حاصل له، وقد اشتد نكير ابن جني في سر الصناعة على من قال ذلك، فلا فرق بين أن يقول مسحت رأسي. وبين أن يقول: مسحت برأسي. والتبعيض يتلقى من غير الباء. [4]
وفي شرح طلعة الشمس: جعل الباء للتبعيض يفضي إلى الترادف والاشتراك أما الترادف فبكلمة"من"لأنها موضوعة للتبعيض، وأما الاشتراك فلأنها موضوعة للإلصاق، فلو كانت حقيقة في التبعيض أيضا لزم الاشتراك وكلاهما غير ثابت في الباء لغة. [5]
وقال الإمام مالك: يجب مسح جميع الرأس، لأن الباء في قوله تعالى:"وامسحوا برءوسكم". صلة أي زائدة للتوكيد، كما في قوله تعالى:"تنبت بالدهن". [6] وقوله تعالى:"ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة". [7] ومن ثم فكأنه قال: امسحوا رءوسكم، والظاهر منه الكل، فيكون مسح كل الرأس فرضا. [8]
الجواب: ويجاب عن هذا: بأن الباء حقيقة للإلصاق وهاهنا يمكن استعمال الحقيقة لا يصار إلى المجاز [9] وهو أن تكون الباء زائدة لأن الزيادة خلاف الأصل. [10]
(1) راجع: شرح طلعة الشمس: ج 1 ص 237.
(2) راجع: أصول السرخسي: ج 1 ص 228.
(3) راجع: كشف الأسرار للنسفي: ج 1 ص 224.
(4) راجع البرهان: ج 1 ص 180.
(5) راجع: شرح طلعة الشمس: ج 1 ص 237.
(6) سورة المؤمنون: الآية رقم 20.
(7) سورة البقرة: الآية رقم 195.
(8) راجع بداية المجتهد لابن رشد: ج 1 ص 11، 12، وأصول السرخسي: ج1 ص 228، وكشف الأسرار للنسفي: ج 1 ص 224، وشرح طلعة الشمس: ج 1 ص 224، تيسير التحرير: ج 1 ص 105.
(9) المجاز لا يلجأ إليه إلا عند تعذر استعمال الحقيقة، ومن ثم فإن أمكن استعمال الحقيقة لا يجوز المجاز.
(10) راجع: كشف الأسرار للنسفي: ج 1 ص 224، وأصول السرخسي: ج 1 ص 229 شرح طلعة الشمس: ج 1 ص 237.