الصفحة 17 من 43

من آلة ومحل، والأصل أن تدخل الباء على الآلة لأنها الواسطة بين الماسح، والمحل الممسوح، والمحل المقصود فإذا دخلت على الآلة لا يجب استيعابها، بل يكفي منها ما يحصل به المقصود ويتعدى الفعل لإلى المقصود فيستوعبه وإذا دخلت الباء على المحل اعتبرت الآلة مذكورة تقديرا.

فالتقدير في المثال المتقدم: مسحت يدي برأس اليتيم وحينئذ يشبه المحل بالآلة فيأخذ حكمها في عدم الاستيعاب، وتشبه الآلة بالمحل في القصد فتأخذ حكمه في الاستيعاب. وتشبه الآلة بالمحل في القصد فتأخذ حكمه في الاستيعاب، ومن ثم فباء الإلصاق إذا دخلت على المحل، كما في قوله تعالى:"وامسحوا برءوسكم". [1]

أفادت التبعيض من هذه القاعدة لا أن الباء لتبعيض حيث إن الباء للإلصاق، غير أن البعض المستفاد ليس مطلقا بل هو مشروط بمقدار الآلة وهي اليد هنا. [2]

ولقد بنى الحنفية بناء على هذه القاعدة: وجوب مسح ربع الرأس في الوضوء من قوله تعالى:"وامسحوا برءوسكم". حيث أن الباء في هذه الآية دخلت على المحل فلزم استيعاب الآلة، وهي اليد، والتقدير: ألصقوا أيديكم برءوسكم. وهذا لا يستوعب كل الرأس، بل يستوعب ربعها عادة، إذ عادة الله قد جرت في خلقة مقعرها ربع رأسه، وحقيقة المسح يحصل بمجرد وضع اليد على الرأس ولصوقها به، وذلك يأخذ ربع الرأس في العادة، فيقدر به ولا حاجة إلى المد. [3]

ومن ثم فإن حديث [4] المغيرة بن شعبة وهو أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ أتى سباطة. [5]

قوم، فبال، وتوضأ، ومسح على ناصيته. [6] يكون مؤكدا لما استفيد من الآية المذكورة.

وعند الشافعية: المفروض في مسح الرأس أقل ما يطلق عليه اسم المسح ولو شعره، لأن الباء للتبعيض، لأنها هنا دخلت على فعل يتعدى بنفسه في قوله تعالى:"وامسحوا برءوسكم".

والباء إذا دخلت على فعل يتعدى بنفسه تقتضي التبعيض، [7] والمفهوم منها بعض مطلق والمطلق يسقط بأدنى ما يصدق عليه اسمه. [8]

(1) سورة المائدة: آية 6.

(2) راجع: كشف الأسرار للبخاري على أصول البزدوي: ج 2 ص 170، وكشف الأسرار للنسفي ونور الأنوار وقمر الأقمار على نور الأنوار: ج 1 ص 224. والتحرير للكمال بن الهمام وشرحه المسمى بتيسير التحرير: ج2 ص 104، وشرح المنار لابن ملك: ص 487، وشرح طلعة الشمس: ج1 ص 236، والوسيط في أصول الفقه للحنفية أ. د أبو سنة: ص 49، 50، وبحوث في أصول الفقه للحنفية أ. د محمود شوكت العدوي: ص 15.

(3) راجع: كشف الأسرار للنسفي: ج 1 ص 224، وشرح المنار وحاشية الرهاوي: ص 487.

(4) ففي سنن أبي داود: ج 1 ص 112 حديث 134 عن أنس ــ رضي الله عنه ــ قال:"رأيت رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ يتوضأ وعليه عمامة قطرية فأدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه، ولم ينقض العمامة"، وفي صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين"راجع صحيح مسلم بشرح النووي: ج 3 ص 173، 174."

(5) السباطة: الكناسة تطرح بأفنية البيوت، راجع: مختار الصحاح: ص 283 وترتيب القاموس المحيط: ج 2 ص 511، والمقصود هنا: أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم بال في فناء قرب دور قوم. راجع: شرح النووي على صحيح مسلم: ج 3 ص 1665.

(6) مقدار الناصية هو ربع الرأس، حيث إن الناصية هي أحد الجوانب الأربع للرأس، راجع: الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني: ج 1 ص 12، وقمر الأقمار على نور الأنوار بهامش كشف الأسرار للنسفي: ج 1 ص 225، وفي شرح النووي على صحيح مسلم: ج3 ص 172، الناصية: هي مقدم الرأس، وفي الدر المنتقى في شرح الملتقى: ج 1 ص 11، الناصية: أقل من ربع الرأس.

(7) راجع: المحصول: ج 1 ص 532، القسم التحقيقي، وزاد المحتاج للكهوجي: ج 1 ص 46، ومغنى المحتاج للشربيني الخطيب: ج 1 ص 93، وفيه: أن الباء إذا دخلت على متعدد كما في الآية تكون للتبعيض.

(8) راجع: مغني المحتاج: ج 1 ص 53، وشرح طلعة الشمس: ج 1 ص 237.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت