المراغمة المغاضبة، وأرغم أهله وراغمهم: هجرهم. وراغم قومه: نبذهم وخرج عنهم وعاداهم (1) ، وجاء في الأثر:"بُعِثْتُ مرْغَمَةً" (2) أي هوانًا وذلًا للمشركين، فمراغمة المشركين إذلالهم وإهانتهم (3) .
يقول ابن القيم رحمه الله:"عبودية المراغمة لا ينتبه لها إلا أُولو البصائر التامة، ولا شيء أحب إلى الله من مراغمة وليه لعدوه وإغاظته له، وقد أشار سبحانه إلى هذه العبودية في مواضع من كتابه، أحدها قوله: { وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً } [النساء:100] ، سمى المهاجرَ الذي يهاجرُ إلى عبادة الله مراغمًا يراغم به عدو الله وعدوه، والله يحب من وليه مراغمة عدوه وإغاظته كما قال تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } [التوبة:120] ، وقال تعالى في مَثَل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه: { وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ } [الفتح:29] ، فمغايظة الكفار غاية محبوبة للرب مطلوبةله فموافقته فيها من كمال العبودية، وشرع النبي - صلى الله عليه وسلم - للمصلي إذا سها في صلاته سجدتين وقال إن كانت صلاته تامة كانتا ترغمان أنف الشيطان وفي رواية ترغيمًا للشيطان وسماها المرغمتين."
فمن تعبد الله بمراغمةِ عدوه، فقد أخذ من الصِّديقية بسهمٍ وافر، وعلى قدر محبة العبد لربه وموالاته ومعاداته لعدوه يكون نصيبه من هذه المراغمة، ولأجل هذه المراغمة حمد التبختر بين الصفين والخيلاء، والتبختر عند صدقة السر حيث لا يراه إلا الله لما في ذلك من إرغام العدو وبذل محبوبه من نفسه وماله لله عز وجل.
وهذا بابٌ من العبودية لا يعرفه إلا القليل من الناس ومن ذاق طعمه ولذته بكى على أيامه الأول. وبالله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله" (4) ."
(1) لسان العرب: (3/1684) .
(2) النهاية في غريب الأثر: (2/239) .
(3) لسان العرب: (3/1682) .
(4) مدارج السالكين: (1/226) ، مكتبة ابن تيمية.