الصفحة 29 من 165

وهو احتجاب بعض أولياء الله المتقين من أنصار هذا الدين عن أعين أعداء الله المجرمين كما حدث للرسول - صلى الله عليه وسلم - عند الهجرة (1) ، وكما حدث للحسن البصري رحمه الله عندما حجبه الله تعالى عن أبصار جند الحجاج (2) ، وكما حدث للقرطبي رحمه الله تعالى وغيره عندما طلبه العدو فقرأ قرآنا احتجب به عن أعينهم (3) كما سيأتي بيانه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في معرض كلامه عن رجال الغيب:"فبينت أن رجال الغيب هم الجن كما قال تعالى: { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا } [الجن:6] ومن ظن أنهم إنس فمن جهله وغلطه، فإن الإنس يؤنسون أي يشهدون ويرون، إنما يحتجب الإنسي أحيانا، لا يكون دائما محتجبًا عن أبصار الأنس، بخلاف الجن فإنهم كما قال تعالى: { إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ } [الأعراف: 27 ] " (4) .

كما سُئل رحمه الله: هل في هذه الأمة أقوام صالحون غيَّبهم الله عن الناس لا يراهم إلا من أرادوا؟ ولو كانوا بين الناس فهم محجوبون بحالهم؟ ... فأجاب:"الحمد لله رب العالمين. أما وجود أقوام يحتجبون عن الناس دائمًا فهذا باطل، لم يكن لأحد من الأنبياء ولا الأولياء ولا السحرة؛ ولكن قد يحتجب الرجل بعض الأوقات عن بعض الناس: إما كرامة لولي، وإما على سبيل السحر. فإن هذه الأحوال منها ما هو حال رحماني، وهو كرامات أولياء الله المتبعين للكتاب والسنة، وهم المؤمنون المتقون. ومنه ما هو حال نفساني أو شيطاني، كما يحصل لبعض الكفار أن يكاشف أحيانا، وكما يحصل لبعض الكهان أن تخبره الشياطين بأشياء. وأحوال أهل البدع هي من هذا الباب" (5) .

(1) انظر ص: (75) .

(2) انظر ص: (73) .

(3) انظر ص: (73) .

(4) مجموع فتاوى ابن تيمية: (13/218) .

(5) المرجع السابق: (27/497) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت