قوله صلى الله عليه وسلم: (ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا) فيه الحث العظيم على حضور جماعة هاتين الصلاتين , والفضل الكثير في ذلك لما فيهما من المشقة على النفس من تنغيص أول نومها وآخره , ولهذا كانتا أثقل الصلاة على المنافقين.
وفي هذا الحديث تسمية العشاء عتمة , وقد ثبت النهي عنه , وجوابه من وجهين:
أحدهما أن هذه التسمية بيان للجواز , وأن ذلك النهي ليس للتحريم .
الثاني وهو الأظهر أن استعمال العتمة هنا لمصلحة ونفي مفسدة لأن العرب كانت تستعمل لفظة العشاء في المغرب , فلو قال: لو يعلمون ما في العشاء والصبح لحملوها على المغرب , ففسد المعنى , وفات المطلوب , فاستعمل العتمة التي يعرفونها ولا يشكون فيها , وقواعد الشرع متظاهرة على احتمال أخف المفسدتين لدفع أعظمهما.
قوله صلى الله عليه وسلم: (ولو حبوا) هو بإسكان الباء وإنما ضبطته لأني رأيت من الكبار من صحفه . شرح صحيح مسلم النووي.
فضل المؤذن
-عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ (الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) مسلم.
قوله صلى الله عليه وسلم (المؤذنون أطول الناس أعناقا) هو بفتح همزة أعناقا جمع عنق , واختلف السلف والخلف في معناه , فقيل: معناه أكثر الناس تشوفا إلى رحمة الله تعالى , لأن المتشوف يطيل عنقه إلى ما يتطلع إليه .فمعناه كثرة ما يرونه من الثواب.
وقال النضر بن شميل: إذا ألجم الناس العرق يوم القيامة طالت أعناقهم لئلا ينالهم ذلك الكرب والعرق.
وقيل: معناه أنهم سادة ورؤساء , والعرب نصف السادة بطول العنق.
وقيل: معناه أكثر أتباعا . وقال ابن الأعرابي: معناه أكثر الناس أعمالا . قال القاضي عياض وغيره: ورواه بعضهم (إعناقا) بكسر الهمزة أي إسراعا إلى الجنة , وهو من سير العنق . شرح صحيح مسلم النووي .