عن ابن عباس قال: لما ظهر ابن ذي يزن على الحبشة بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم أتت وفود العرب وشعراؤها تهنيه وتمدحه، فأتاه فيمن أتاه وفد من قريش فيهم عبد المطلب بن هاشم، وأمية بن عبد شمس، وعبدالله بن جدْعان، وخويلد بن أسد في ناس من وفود قريش، فقدموا عليه صنعاء، فإذا هو في رأس غمدان الذي ذكره أمية بن أبي الصلت:
اشرب هنيئًا عليك التاجُ مرتفعًا
في رأس غُمدان دارًا منك محلالا
فدخل عليه الإِذن فأخبره بمكانهم، فأذن لهم.
فدنا عبد المطلب واستأذنه في الكلام فقال له: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذنا لك.
فقال: إن الله أحلك أيها الملك محلًا رفيعًا صعبًا منيعًا شامخًا باذخًا، وأنبتك منبتًا طابت أرومته وعزَّت جرثومته، وثبت أصله وبسق فرعه، في أكرم موطن وأطيب معدن، فأنت ملك العرب وربيعها الذي يخصب، وأمير العرب الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد ومَعقلها الذي تلجأ إليه العباد، سلفك (لك) خير سلف، وأنت لنا منهم خير خلف، فلن يخمل من أنت سلفه، ولن يهلك من أنت خلفه. نحن أيها الملك أهلُ حرم الله عز وجل وَسَدَنة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجنا من كشفك الكربَ الذي فدَحنا، فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة.
قال: وأيهم أنت أيها المتكلم؟
قال: أنا عبد المطلب بن هاشم.
قال: ابن أختنا؟ يعني الأنصار.
قال: نعم.
قال: أدنه. فأدناه ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال: مرحبًا وأهلًا، وناقة ورحلًا، ومستناخًا سهلًا، وملكًا سَمَحْلًا يعطي عطاءً جزلًا، قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم وقبل وسيلتكم، وأنتم أهل الليل والنهار، ولكم الكرامة ما أقمتم والحباء إذا ظعنتم.