، ولقد تبنتها الحكومة الانكليزية واحتضنتها (1) ، وساعدتها العوامل الاجتماعية والسياسية والفكرية الكثيرة التي توفرت في عصر ظهورها على الانتشار سريعًا رغم بعدها عن الإسلام، فأصبح معتنقوها طائفة كبيرة يحسب لها حساب، وغدت"قاديان"مركز دعوة ودعاية وسياسة يُقبل عليها ويؤم شطرها بعض كبار المثقفين- الثقافة العصرية- ورجال الدولة، ولقد اقتصر نشاط دعاتها على عقد المناظرات التي انصبّ هدفها على إثارة الشكوك والشبهات بين المسلمين ونشر الدعاية لعقيدتهم الخاصة داخل الهند وخارجها، وبعد انقسام الهند عام 1947م وظهور الباكستان كدولة مستقلة، فرضت الحكومة الإنكليزية التي كانت قائمة آنذاك، القادياني ظفر الله خان على باكستان كوزير للخارجية، ولقد انتهز هذا الأخير صلاحيات منصبه بكل دهاء وعزم، فشحن الوزارة الخارجية والمفوضيّات في عواصم العالم بالقاديانيين ودسَّهم في مصالح الحكومة الأخرى وسلطهم على رقاب الموظفين المسلمين، ثم راحوا ينخرطون بكثافة في صفوف الجيش الباكستاني واحتلوا مناصب خطيرة فيه وفي أجهزة الدولة المهمة كالشرطة ومصلحة الطيران، بل قد كوَّنوا إمارة في بنجاب تسمى الربوة هي في حقيقتها مستعمرة قاديانية لا يوظَّف فيها إلا القادياني (2) ولا يعلو صوت فيها فوق صوته وكأنها دولة داخل الدولة، ولم يقتصر نشاط رجال الدعوة على منطقة شبه الجزيرة الهندية بل تعدّاها إلى دول ومناطق أخرى في العالم وخصوصًا إلى البلدان العربية الإسلامية، فصار لها حضور في العراق وسوريا، وانتشار في إندونيسيا، ولها طموح قوي وحلم عريض في أن يكون لها وجود ملموس وقوي في جزيرة العرب مهد الإسلام وعاصمة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، بل في مكة والمدينة على وجه الخصوص- شرفهما الله تعالى وأعاذهما من كل فتنة وإلحاد- ثم بدأت
(1) ويمكن أن تشبه الربوة في باكستان بإسرائيل في فلسطين، فكلاهما جاثم على صدر المسلمين وقائم منهم بالمرصاد.