هذا كله إذا كانت المرأة تطلب العقوبة [1] . فإن كانت لا تطلب، فلها أحوال:
إحداها: أن تعفو عن التعزير، ففي جواز اللعان وجهان: أحدهما: المنع؛ إذ لا أرب في اللعان الآن إلا الفراق فليطلقها، فاللعان حجة ضرورة. والثاني: له ذلك؛ ليدحض عن نفسه عار الكذب، وينتقم منها بتلطيخ فراشه [2] .
الثانية: أن تكون مجنونة أو صغيرة لا يتأتى منها طلب العقوبة فوجهان مرتبان، وأولى بالجواز؛ لأن العقوبة ههنا متوقعة إذا زال المانع، بخلاف صورة العفو [3] .
الثالثة: أن تسكت فلا تطلب، فوجهان مرتبان، وأولى بالجواز؛ إذ لا مانع، وهي متمكنة من طلب العقوبة مهما شاءت [4] .
الرابعة: القذف إنما يقتضي اللعان إذا كان في صلب النكاح، فلا لعان في قذف الأجنبية. فأما الرجعية، فهي كالمنكوحة، ولا يتوقف في لعانها إلى الارتجاع، بخلاف الظهار
(1) اختلف العلماء في حد القذف هل هو حق لله تعالى، أم هو حق للآدمي؟ على خمسة أقوال:
القول الأول: وهو مذهب الشافعي: أنَّه من حقوق الآدمي، لا يجب إلاَّ بالمطالبة، ويسقط بالعفو، وينتقل إلى الورثة بالموت.، وهو قول لمالك،
القول الثاني: أنَّه من حقوق الله تعالى يجب بغير المطالبة ولا يسقط بالعفو، وبه قال الحسن البصري، وهو قول الإمام أحمد.
القول الثالث: أنَّه من حقوق الله المحضة لا يجب إلاَّ بالمطالبة ولا يسقط بالعفو، ولا ينتقل إلى الورثة بالموت، وهو مذهب أبي حنيفة.
القول الرابع: أنه حق مشترك بين حق الله وحق الآدمي، لا يجب إلا بالمطالبة ويسقط بالعفو، وبه قال أبو يوسف.
القول الخامس: وهو مذهب مالك، أنَّه من الحقوق المشتركة، فإن سمعه الإمام وشاهدان وجب بغير مطالبة، وإن سمعه الإمام وحده لم يجب إلا بالمطالبة، ويجوز العفو عنه قبل الترافع إلى الإمام، ولا يجوز العفو عنه بعد الترافع، وهو المشهور عنه.
انظر: المبسوط: 9/ 48، 71، تحفة الفقهاء: 3/ 146، البحر الرائق: 5/ 38 - 39، البيان والتحصيل:16/ 290، بداية المجتهد ونهاية المقتصد: 2/ 540، حاشية ابن عابدين: 4/ 48، إيثار الإنصاف: 1/ 218، المهذب: 2/ 285، التنبيه: 1/ 244، إعانة الطالبين: 4/ 151، الإقناع للشربيني: 2/ 529، المغني: 9/ 77.
(2) ليس له اللعان على الصحيح. روضة الطالبين: 6/ 308. وانظر: نهاية المطلب: 12:ل/180، الوسيط: 3/ 354، الوجيز: 2/ 93، العزيز: 9/ 365، فتح الوهاب: 2/ 177.
(3) انظر: المصادر السابقة.
(4) انظر: المصادر السابقة.