[حديث: إن عفريتًا من الجن تفلت علي البارحة]
461# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) هو أبو يعقوب الحنظلي المروزي، المعروف بابن راهويه، وهو من مشايخ الشَّافعي كما ذكره الرازي، وقال أحمد ابن حنبل: (إسحاق عندي إمام، وما عبر الجسر أفقه منه) ، ولد سنة إحدى وستين ومئة، وتوفي بنيسابور سنة ثمان أو سبع وثلاثين ومئتين، وإنما لقب براهويه؛ لأنَّه ولد في طريق مكة، ومعنى الطريق بالفارسية: (راه) ، ومعنى: (ويه) : وجد، فكأنَّه وجد في الطريق، (قال: أخبرنا) وللأصيلي: (حدثنا) (رَوح) ؛ بفتح الرَّاء آخره حاء مهملة: هو ابن عُبادة؛ بِضَمِّ العين المهملة، وتخفيف الموحَّدة، ابن العلاء البصري، المتوفى سنة خمس ومئتين (ومحمَّد بن جعفر) هو الهذلي البصري، المشهور بغُندر؛ بِضَمِّ الغين المعجمة؛ كلاهما (عن شعبة) هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري (عن محمَّد بن زِيَاد) ؛ بكسر الزاي، وتخفيف التحتية، هو القرشي الجمحي المدني التَّابعي الجليل، وقول العجلوني: (مولى آل عثمان بن مظعون) خطأ ظاهر؛ فاجتنبه، (عن أبي هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصَّحابي الجليل رضي الله عنه، (عن النَّبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم) أنَّه (قال: إن عِفريتًا) ؛ بكسر العين المهملة: على وزن: (فِعليت) ، قاله ابن الحاجب، وفي «المحكم» : (رجل عفر وعفرية وعفارية وعفريت: بيِّن العفارة خبيث منكر) ، وقال الزجاج: (العفريت: النافذ في الأمر المبالغ فيه مع خبث ودهاء، وقد تعفرت) ، وفي «الجامع» : (والشَّيطان: عفريت وعفرية، وهم العفاريت والعفارية، قال تعالى: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الجِنِّ} [النمل: 39] ، وقرأ بعضهم: «عفرية من الجن» ) ، قال الجوهري: (إذا سكنت الياء؛ صيرت الهاء تاء، وإذا حركتها؛ فالتَّاء هاء في الوقف) ، كذا في «عمدة القاري» ، (من الجن) احترازًا عن العفريت من غيرهم، قال ابن سيده: (الجن: نوع من العالم، والجمع: جنان، وهم الجِنَّة، والجني؛ منسوب إلى الجن أو الجنة، والجنة: طائفة الجن، والمجنة والجن، وأرض مجنة: كثيرة الجن، والجان: أبو الجن، وهم اسم جمع) انتهى، وفي «القاموس» : (والجان: اسم جمع للجن وحية أكحل العينين لا تؤذي، كثيرة في الدور، والجِن؛ بالكسر: الملائكة كالجِنة، ومن الشباب وغيره: أوله وحدثانه، ومن النبت: زهره ونوره، والجِني؛ بالكسر: نسبة إلى الجن أو الجنة) انتهى هذه عبارة «القاموس» الصَّحيحة، وقد نقل العجلوني عبارته بتصحيف ظاهر مُخلٍّ بالمعنى من عدم معرفته؛ فافهم.
ويطلق الشَّيطان على كل عاتٍ متمرد من الإنس والجن، والشَّيطان من الجن إذا أعياه المؤمن وعجز عن إغوائه؛ ذهب إلى متمرد من الإنس، فأغراه على المؤمن ليفتنه، وقال مالك بن دينار: (شياطين الإنس أشدُّ عليَّ من شياطين الجن؛ لأنَّي إذا تعوذت بالله من شياطين الجن؛ ذهبوا عني، وشياطين الإنس تجيئني فتجرني إلى المعاصي عيانًا) ، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} [الأنعام: 112] .
قال إمام الشَّارحين: واعلم أنَّ الموجود الممكن الذي ليس بمتحيز ولا صفة للمتحيز هم الأرواح، وهي إما سفلية أو علوية؛ فالسفلية؛ إمَّا خيرة؛ وهم صالحوا الجن، أو شريرة؛ وهم مردة الشياطين، والعلوية؛ إما متعلقة بالأجسام؛ وهي الأرواح الفلكية، أو غير متعلقة بالأجسام؛ وهي الأرواح المطهرة المقدسة، وقال ابن دريد: الجن خلاف الإنس، يقال: جنه الليل وأجنه وجن عليه وغطاه في معنَّى واحد: إذا ستره، وكل شيء استتر عنك؛ فقد جن عنك، وبه سميت الجن، وقال ابن عقيل: إنَّما سمي الجن جنًّا؛ لاستجنانهم واستتارهم عن العيون، ومنه سمي الجنين جنينًا، انتهى.
ثم قال إمام الشَّارحين: ثم اعلم أنَّ الجن يتطورون في صور شتى، ويتشكلون في صورة الإنس، والبهائم، والحيات، والعقارب، والإبل، والبقر، والغنم، والخيل، والبغال، والحمير، وفي صور الطير.
وقال القاضي أبو يعلى:(ولا قدرة للشياطين ولا للجن ولا الملائكة على تغيير خلقهم والانتقال في الصور، إنَّما يجوز أن يعلِّمهم الله تعالى كلمات وضربًا من ضروب الأفعال إذا فعلهوتكلم به؛ نقله الله من صورة إلى صورة أخرى، وأمَّا أن يصوِّر نفسه؛ فذلك محال؛ لأنَّ انتقالهم من صورة إلى صورة [إنما يكون]
بنقض [1] البنية وتفريق الأجزاء، وإذا انتقضت؛ بطلت الحياة، والقول في تشكيل الملائكة كذلك) انتهى.
(تَفلَّت) ؛ بفتح المثناة الفوقية، وتشديد اللَّام؛ أي: تعرض فلتة؛ أي: بغتة، وفي «المحكم» : أفلت الشيء: أخذه بغتةً في سرعة، وكان ذلك فلتة؛ أي: فجأة، والجمع: فلتات، لا يجاوز بها جمع السَّلامة، والفلتة: الأمر يقع من غير إحكام، وفي «المنتهى» : تفلت علينا وإلينا، وفي «الصِّحاح» : أفلت الشيء تفلت وانفلت بمعنًى، وأفلته غيره، كذا في «عمدة القاري» ، وقال القزاز: تفلت؛ أي: توثب (عليَّ) بتشديد الياء المفتوحة (البارحةَ) ؛ بالنصب على الظرفية لـ (تفلت) ، وهي أقرب ليلة مضت، وفي «المنتهى» : كل زائل بارح، ومنه سميت البارحة أدنى ليلة زالت عنك، تقول: لقيته البارحة والبارحة الأولى، ومنه ثلاث ليالٍ، وفي «المحكم» : البارحة: هي الليلة الحالية [2] ، ولا تحقر، وقال قاسم في «الدلائل» : يقال: بارحة الأولى: يضاف الاسم إلى الصِّفة، كما يقال: مسجد الجامع، ومنه الحديث: «كانت لي شاة فعدا [3] عليه الذئب بارحة الأولى» ، كذا في شرح إمام الشَّارحين.
قلت: وظاهره أنَّها لا تطلق على الليلة البعيدة، بقي أنَّ ظاهر كلام «المحكم» أنَّها تطلق على الليلة الحالية، وهو خلاف المتبادر من كلامهم، وخلاف الاستعمال، إلا أن يقال: إنَّها الحالية بمعنى المتصلة بالليلة الحالية لكنَّه بعيد؛ فافهم.
(أو قال) أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم (كلمة) ؛ أي: جملة كما في قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} [المؤمنون: 100] ، وقد قال هو جملة من كلمات (نحوَها) ؛ بالنصب صفة لـ (كلمة) ؛ أي: نحو قوله: (تفلت عليَّ البارحة) والمراد أنَّها تشبهها، كما في الرواية الآتية للمؤلف آخر (الصلاة) : «عرض لي فشد علي» ، ووقع في رواية عبد الرزاق: «عرض لي في صورة هر» ، ووقع في رواية مسلم: «جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي» ، فضمير (نحوها) يرجع إلى قوله: (تفلت عليَّ البارحة) ، كما ذكرنا، وبه علم أنَّ قول العجلوني: (فضمير «نحوها» لجملة «تفلت علي البارحة» ) ليس على إطلاقه؛ لأنَّ الضمير في (نحوها) ليس عائدًا على الجملة، بل على قوله: (تفلت علي البارحة) ؛ فافهم، وأمَّا قول الكرماني: (فضمير «نحوها» يرجع إلى «البارحة» ) ؛ فغير ظاهر؛ لأنَّ صريح اللَّفظ يدل على أنَّه قال نحو قوله: (تفلت علي البارحة) ، ويدل عليه رواية البخاري ومسلم وعبد الرزاق كما علمتها آنفًا؛ فافهم، (ليَقْطَع) بفتح التحتية، والطاء المهملة، وسكون القاف (عليَّ) بتشديد التحتية المفتوحة (الصلاة) قال العجلوني: لم أقف على تعيين الصلاة، ولعلها نافلة الليل، انتهى، قلت: ويحتمل أنَّها نافلة النهار، ويحتمل أنَّها فريضة الليل أو النهار، ولا مانع منه؛ فليحفظ، (فأمكنني) بعدم الإدغام (الله منه) ؛ يعني: قوَّاني وعصمني الله منه، وقد جاء في تفسير ذلك في رواية النسائي حيث قال: «فأخذته، فصرعته، فخنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي» انتهى، (فأردت) بالفاء، ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: (وأردت) ؛ بواو العطف (أن) بفتح الهمزة
[ص 654]
(أربِطه) بكسر الموحَّدة الخفيفة وضمها (إلى سارية) أي: مع سارية (من سوار المسجد) ؛ أي: النَّبوي، فاللَّام للعهد، والسارية: الأسطوانة؛ أي: من أسطوانة من أساطين المسجد النَّبوي، قال القليوبي: وجملتها الآن مئتان وست وتسعون أسطوانة، انتهى، وقد زاد في عمارته السلطان عبد المجيد العثماني زيادة لم أرها، ونسأل الحنان المنان أن يرزقنا زيارة النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم بالصحة والأمان، آمين، (حتى تصبحوا) ؛ أي: تدخلوا في الصباح، فهي تامة لا تحتاج إلى خبر (وتنظروا إليه) أي: إلى العفريت (كلُّكم) بالرفع تأكيد للضمير المرفوع.
قال إمام الشَّارحين: يحتمل أن يكون ربطه بعد تمام الصلاة، أو يربطه بوجه كان شغلًا يسيرًا، فلا تفسد به الصلاة، انتهى.
قال العجلوني: (والأرجح كون ربطه خارج الصلاة؛ لأنَّ ربطه بالسارية يحتاج إلى عمل كثير لا يسير كما قاله، على أنَّ في رواية النسائي السَّابقة أنَّها تدل على كثرة العمل؛ فتأمل) انتهى.
قلت: بل هما احتمالان، والأرجح أنَّه عليه السَّلام أراد ربطه وهو في الصلاة، يدل عليه صريح لفظ الحديث؛ حيث قال: «فأمكنني الله منه فأردت ... » إلخ، فأتى بالفاء المفيدة للتعقيب؛ يعني: أنَّه وقت إمكانه منه أراد ربطه؛ لأجل ألا يفر منه، فيفوت المقصود وهو نظرهم إليه.
وقوله: (لأنَّ ربطه ... ) إلخ: ممنوع؛ لأنَّه يحتمل أنَّه عليه السَّلام كان قريبًا من السارية، أو أشار إليها لتقرب منه، وربطه لا يحتاج إلى عمل كثير؛ لأنَّ الكثير ما يستكثره الناظر، أو ما يفوَّض إلى رأي المصلي، والربط لا يكون كذلك، بل هو عمل يسير غير مفسد للصلاة، ورواية النسائي السَّابقة لا تدل على العمل الكثير؛ لأنَّه قال فيها: «فأخذته، فصرعته، فخنقته حتى وجدت برد لسانه» ، فهي ظاهرة في أنَّها عمل يسير لا كثير، ويحتمل تعدد القصة، فكل رواية في قصة بانفرادها، وهو الأظهر، ويحتمل أنَّ على رواية النسائي يكون المعنى: فأخذته بيدي من رقبته حتى خنقته ووجدت برد لسانه، فهو عمل واحد يسير لا كثير كما زعمه؛ فليحفظ.
(فذكرت) أي: تذكرت (قول أخي) أي: في النُّبوة أو الدِّين (سليمان) هو ابن داود عليهما السَّلام الذي قال الله تعالى في حقه: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 30] ؛ أي: مطيع رجَّاع، وسئل سفيان عن عبدين ابتلي أحدهما فصبر وأنعم على الآخر فشكر، فقال: كلاهما سواء؛ لأنَّ الله تعالى قد أثنى على عبدين أحدهما صابروالآخر شاكر ثناءًا واحدًا، فقال: في وصف أيِّوب: {نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} ، وقال في وصف سليمان: {نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} انتهى، قلت: وعلى هذا لا فضل للغني الشاكر على الفقير الصابر، بل هما في الفضل سواء، وفيه خلاف؛ والجمهور على أنَّ الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر؛ لأنَّ نفعه عام لنفسه ولغيره فهو أولى بالفضل، وأمَّا الفقير الصابر؛ فنفعه قاصر على نفسه فقط؛ فليحفظ: ( {رب اغفر لي} ) ؛ أي: ذنبي، وهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين ( {وهب لي} ) [ص: 35] كذا لأبي ذر، ولغيره: (رب هب لي) وإسقاط ( {رب اغفر لي} ) سوى ابن عساكر، فإنَّه رواه بلفظ (هب لي) فقط كما في (الفرع) و (أصله) ، ووقع في رواية مسلم كرواية أبي ذر على نسق التلاوة.
قال ابن حجر: (والظَّاهر أنَّ غير رواية أبي ذر من تغيير بعض الرواة) انتهى.
قلت: وعليه فهو تصحيف من بعض الرواة، وليس كذلك؛ لأنَّ أكثر الرواة رووا: (ربِّ هب لي) ، ولا يمكن اجتماع الجمهور على تصحيف الرواية، وكل راوٍ روى على ما سمعه فهذه الجرأة مذمومة؛ ولهذا قال الكرماني: (لعله ذكره على قصد الاقتباس من القرآن، لا على قصد أنَّه قرآن) انتهى، قلت: يعني: أنَّ رواية أبي ذر على قصد أنَّه قرآن، ورواية غيره على قصد الاقتباس من القرآن، وهذا ظاهر لمن له أدنى ذوق في العلم، ولا تغتر بما زعمه ابن حجر؛ لأنَّه صادر من غير تأمل؛ فليحفظ.
( {مِلكًا} ) بكسر الميم مفعول {هب} ، وزعم العجلوني أنَّه بِضَمِّ الميم، قلت: وفيه نظر؛ لأنَّ القاعدة عند المحققين أنَّ المُلك إذا أضيف لله تعالى بِضَمِّ الميم؛ كقوله: {المُلْكُ اليَوْمَ [4] لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ} [غافر: 16] ، وإذا أضيف إلى العبد بكسر الميم؛ كقولنا: الدار مِلك زيد؛ فليحفظ.
فإن قلت: كيف أقدم سليمان على طلب الدنيا مع ذمها من الله تعالى وبغضه فيها وحقارتها لديه؟
قلت: هو محمول على أداء الحقوق لله تعالى وسياسة ملكه، وترتيب منازل خلقه، وإقامة حدوده، وظهور عبادته، ونظم قانون الحكم النافذ على خلقه منه، وتحقيق الموعود في أنَّه يعلم مالا يعلم أحد [5] من خلقه حسب ما صرح بذلك لملائكته؛ حيث قال: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] ، وحاشى سليمان عليه السَّلام أن يكون سؤاله طلبًا لنفس الدنيا؛ لأنَّه هو والأنبياء عليهم السَّلام أزهد خلق الله في الدنيا، وإنَّما كان سؤاله مملكتها لله تعالى؛ كما سأل نوح دمارها وهلاكها، وكانا محمودين مجابين إلى ذلك، فأجيب نوح فأهلك من عليها، وأعطي سليمان المملكة، وقد قيل: إنَّ ذلك كان بأمر من الله عز وجل على الصِّفة التي علم الله أنَّه لا يضبطه إلا هو وحده دون سائر عباده.
قال الحسن البصري: (ما من أحد إلا ولله عليه تبعة في نعمة غير سليمان فإنَّه قال: {هَذَا عَطَاؤُنَا .. } الآية [ص: 39] ) ، قلت: وهذا يردُّ ما رُوي في الخبر أنَّ آخر الأنبياء دخولًا الجنة سليمان بن داود؛ لمكان ملكه في الدنيا، وفي بعض الأخبار: يدخل الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفًا ذكره صاحب «القوت» ، قلت: وقد نص الحفاظ الثقات أنَّ هذا الحديث باطل لا أصل له؛ لأنَّه سبحانه إذا كان عطاؤه لا تبعة فيه؛ لأنَّه من طريق المنة، فكيف يكون آخر الأنبياء دخولًا الجنة وهو سبحانه يقول: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 40] ، ويدل عليه ما عند المؤلف في «الصَّحيح» : «لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته ... » ؛ الحديث، فجعل له من قبيل السؤال حاجة مقضية، فلهذا لم تكن عليه تبعة، والله تعالى أعلم.
( {لا ينبغي} ) أي: لا يطلب ( {لأحد من بعدي} ) ؛ أي: من البشر أو أعم؛ أي: أن يسأله فكأنَّه عليه السَّلام سأل منع السؤال لأحد من بعده حتى لا يتعلق به أمل لأحد،
[ص 655]
ولم يسأل منع الإجابة، وقيل: إنَّ سؤاله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده؛ ليكون محله وكرامته من الله ظاهرًا في خلق السماوات والأرض؛ لأنَّ الأنبياء عليهم السَّلام لهم تنافس في المحل عنده، فكل يحب أن تكون له خصوصية يستدل بها على محله عنده، ولهذا لما أخذ النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم العفريت المذكور، وأراد ربطه ثم تذكر قول أخيه سليمان؛ تركه مع القدرة عليه؛ حرصًا على إجابة الله دعوة سليمان وأنَّه مما اختص به، فلو أعطي أحد بعده مثله؛ ذهبت هذه الخصوصية، فكأنَّه عليه السَّلام كره أن يزاحمه في تلك الخصوصية بعد أن علم أنَّه شيء هو الذي خص به من سحرة الشياطين، وأنَّه أجيب إلى ألا يكون لأحد بعده، والله أعلم؛ فليحفظ.
وقال القاضي عياض: (امتنع عليه السَّلام من ربطه؛ إمَّا لأنَّه لم يقدر عليه؛ لأنَّه قد رده الله خاسئًا، وإما لأنَّه لما ذكر دعوة سليمان؛ لم يتعاطَ ربطه؛ لظنه أنَّه لا يقدر عليه أو تواضعًا وتأدبًا) انتهى.
قلت: يرد هذا ما جاء في رواية النسائي بقوله: «فأخذته، فصرعته، فخنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي» ، وعند ابن أبي الدنيا: «فأخذت بحلقه، فوالذي بعثني بالحق؛ ما أرسلته حتى وجدت برد لسانه على يدي، ولولا دعوة أخي سليمان؛ لأصبح طريحًا في المسجد» ؛ فافهم، وأجاب العلامة القاري: (إنَّما تركه إيماء لكونه معجزة مختصة بسليمان) ، قلت: وهو الظَّاهر؛ فتأمَّل.
قال القسطلاني: (وزاد في حاشية «الفرع» و «أصله» بعد قوله: « {بعدي} » مما ليس عليه رقم أحد من الرواة: « {إنَّك أنت الوهاب} » ) .
(قال روح) هو ابن عبادة المذكور في سند الحديث دون رفيقه محمَّد بن جعفر، فهو موصول لا غير، كما قاله إمام الشَّارحين، وقد تردد الكرماني في كونه معلقًا أو موصولًا، قلت: ولا وجه لتردده، بل هو موصول قطعًا بدليل رواية البخاري في (أحاديث الأنبياء) عن محمَّد بن بشار عن محمَّد بن جعفر وحده، فزاد في آخره أيضًا: «فرددته خاسئًا» ، وفي رواية مسلم: «فرده الله خاسئًا» ، فعلى هذا دلَّ على أنَّ قوله: (قال روح) داخل تحت الإسناد، كما لا يخفى، ولعل الكرماني لم يطلع على ذلك؛ فافهم: (فرده) أي: رد النَّبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم العفريتَ حال كونه (خاسئًا) ؛ أي: مطرودًا بعيدًا، وفي «الصِّحاح» : خسأت الكلب: طردته، وخسأ الكلب نفسه، يتعدى ولا يتعدى، ويكون الخاسئ بمعنى: الصاغر الذليل، وفي «المحكم» : (الخاسئ من الكلاب والخنازير والشياطين بالبعد: الذي لا يترك أن يدنو من الناس، وخسأ الكلب يخسأ خسئًا وخسوءًا، فخسأ وانخسأ، ويقال: أخسأُ إليك وأخسأْ عني) انتهى.
قلت: فعلى ما شرحنا يكون فاعل (رده) النَّبي الأعظم عليه السَّلام، ويؤيده رواية المؤلف في (الأنبياء) لكن عن محمَّد بن جعفر وحده: «فرددته خاسئًا» ، ويحتمل أن يكون فاعل (رده) الله تعالى، ويؤيده رواية مسلم من طريق النضر عن شعبة بلفظ: «فرده الله خاسئًا» ، قيل: وفي بعض النُّسخ هنا: (فرده الله خاسئًا) ؛ فافهم.
قال إمام الشَّارحين: (وجه مطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «الأسير» ظاهرة، وأمَّا قوله: «والغريم» ؛ فبالقياس عليه؛ لأنَّ الغريم مثل الأسير في يد صاحب الدين، ففي الحديث: دليل على إباحة ربط الأسير والغريم في المسجد، وعلى هذا بوَّب البخاري، ومن هذا قال المهلب: إنَّ في الحديث جواز ربط من خشي هروبه بحقٍّ عليه أو دين والتوثق منه في المسجد وغيره) انتهى.
وقال الخطابي: (فيه دليل على أنَّ رؤية البشر الجنَّ غير مستحيلة، والجن أجسام لطيفة، والجسم وإن لطف؛ فدركه غير ممتنع أصلًا، وأمَّا قوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27] ؛ فإنَّ ذلك حكم الأعم الأغلب من أحوال بني آدم، امتحنهم الله بذلك وابتلاهم؛ ليفزعوا إليه، ويستعيذوا به من شرهم، ويطلبوا الأمان من غائلتهم، ولا ينكر أن يكون حكم الخاص والنادر من المصطفين من عباده بخلاف ذلك) انتهى، واعترضه الكرماني فقال: (لا حاجة إلى هذا التأويل إذ ليس في الآية ما ينفي رؤيتنا إياهم مطلقًا، إذ المفاد منها أنَّ رؤيته إيانا مقيدة بهذه الحيثية، فلا نراهم في زمان رؤيتهم لنا فقط، ويجوز رؤيتنا لهم في غير ذلك الوقت) انتهى، قلت: وقد تبعه البيضاوي؛ حيث قال: (ورؤيتهم إيانا من حيث لا نراهم في الجملة لا يقتضي امتناع رؤيتهم وتمثلهم لنا) انتهى، يعني: في بعض أحوالهم، وهو حال بقائهم على صورهم الأصلية؛ لأنَّ حديث الباب وغيره يدل على رؤيتهم، وهو جواب عنه؛ فافهم.
وقال الإمام جار الله الزمخشري في قوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} فيه دليل بيِّن على أنَّ الجن لا يُرون، ولا يظهرون للإنس، وأنَّ إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأنَّ زعْمَ من يدعي رؤيتهم زور ومخرقة) انتهى، واعترضه العجلوني فقال: (حديث الباب وغيره من الأحاديث يرده) انتهى، قلت: ما بلغ هذا رتبة الرد على مثل هذا الإمام؛ لأنَّ الآية صريحة فيما قاله، وأما الحديث وغيره؛ فليس فيه ردٌّ لما قاله؛ لأنَّ رؤية النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم العفريتَ خاص به دون غيره من أمته، كما أنَّ رؤيته الملائكةَ خاص به، يدل عليه أنَّه عليه السَّلام لما خرج في جنازة بعض أصحابه؛ مشى على رؤوس رجليه، فسئل عن ذلك، فقال: «لازدحام الملائكة» ، فأصحابه لم يروا الملائكة وقتئذٍ، وكذلك الجن؛ فإن رؤيتهم كانت خاصة به عليه السَّلام دون غيره من الأُمَّة، ويدل على الخصوصية أنَّ أحدًا من أصحابه لم ير أحدًا منهم، إلا أنَّ إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وذلك لأنَّهم لا قدرة لهم على تغيير خلقهم والانتقال في الصور، وإنَّما يظهرون إذا فعلوا ضروبًا من الأفعال أو قرأوا كلمات علمهم الله إياها، إذا فعلوها أو تكلموا بها؛ نقلهم الله من صورة إلى صورة أخرى، ولا يمكن أن يصوروا أنفسهم؛ لأنَّ ذلك محال؛ لأنَّه يلزم منه نقض البُنية؛ وهو يستلزم تفريق الأجزاء؛ وهو يستلزم إبطال الحياة، فالصورة الحقيقية التي لهم لا ترى للأنس أصلًا، إنَّما يرى صورة أخرى كما ذكرنا، هذا معنى كلام الإمام جار الله، وقد خفي هذا على العجلوني حتى قال ما قال ولم يدر المقال؛ فافهم.
وفي «عمدة القاري» : (قال ابن بطال: ورؤيته عليه السَّلام العفريتَ هو مما خُصَّ به كما خصَّ برؤية الملائكة، وقد أخبر عليه السَّلام: أنَّ جبريل عليه السَّلام له ست مئة جناح، ورأى النَّبي عليه السَّلام الشَّيطان في هذه الليلة، وأقدره الله عليه لتجسمه؛ لأنَّ الأجسام ممكن القدرة عليها، ولكنَّه ألقى في روعه ما وهب سليمان عليه السَّلام، فلم ينفِّذ ما قوي عليه من حبسه؛ رغبة عما أراد سليمان الانفراد به وحرصًا على إجابة الله دعوته، وأمَّا غير النَّبي عليه السَّلام من الناس؛ فلا يُمكَّن منه، ولا يرى أحدٌ الشَّيطانَ على صورته غيره عليه السَّلام؛ لقوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ ... } ؛ الآية، لكن يراه سائر الناس إذا تشكل في غير شكله، كما تشكل الذي طعنه الأنصاري حين وجده في بيته في صورة حية فقتله، فمات الرجل به، وبيَّن النَّبي عليه السَّلام ذلك بقوله: «إنَّ بالمدينة جنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم من هذه الهوام شيئًا فآذنوه ثلاثًا، فإن بدا لكم؛ فاقتلوه» ، رواه الترمذي والنسائي في «اليوم والليلة» من حديث أبي سعيد الخدري) انتهى، قلت: وهذا يؤيد ما قلناه آنفًا؛ فافهم.
وحديث الباب رواه مسلم، قال النَّووي في «شرحه» : فيه دليل على أنَّ الجن موجودون وأنَّهم قد يراهم بعض المؤمنين، وأمَّا قوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ ... } ؛ الآية؛ فمحمول على الغالب، فلو كانت رؤيتهم محالة لما قال النَّبي عليه السَّلام
[ص 656]
ما قال من رؤيته إياهم، ومن أنَّه كان يربطه لتنظروا إليه ويلعبوا به ولدان أهل المدينة) انتهى.
قلت: قوله: (وأنَّهم قد يراهم بعض المؤمنين) : المراد بهم: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم وسليمان دون أمة [6] نبينا عليه السَّلام، وكذلك قوله: (وأمَّا الآية ... ) إلخ: خاصٌّ بالنَّبي الأعظم وسليمان دون أمة نبينا، وقوله: (ومن أنه ... ) إلخ: هذا يدل على أنَّه عليه السَّلام أحب أن تنظر إليه أصحابه، لكن منعه من ذلك دعوة سليمان مع أنَّ الجن مستورون عن الإنس، ولا يمكن رؤية البشر الجن على الصِّفة الأصلية، بل إذا تصوروا بصورة أخرى يمكن، وقوله: (ويلعبوا به ... ) إلخ: هذه دعوى لا دليل عليها فهي مردودة؛ فافهم.
وقال القاضي عياض: (وقيل: إنَّ رؤيتهم على خلقهم وصورهم الأصلية ممتنعة؛ لظاهر قوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ ... } ؛ الآية، إلا للأنبياء ومن خرقت له العادة، وإنَّما يراهم بنو آدم في صور غير صورهم كما جاء في الآثار) انتهى.
واعترضه النَّووي فقال: هذه دعوى مجردة، فإن لم يصح لها مستند؛ فهي مردودة، انتهى.
قلت: واعتراضه مردود عليه، فإنَّ قوله: (إن رؤيتهم ... ) إلخ: دليلها صريح الآية ظاهرًا، وقوله: (إلا للأنبياء) دليله حديث الباب فإنَّ رؤية العفريت مما اختص به عليه السَّلام دون أحد من أصحابه وكذلك سليمان، وقوله: (ومن خرقت له العادة) ، هم الأبدال والنجباء؛ لما في الحديث أنَّه كل واحد منهم على قدم نبي من الأنبياء، وما كان معجزة لنبي؛ جاز أن يكون كرامة لولي، وفيه أحاديث يطول سردها، وقوله: (وإنما يراهم ... ) إلخ: دليلها الآثار التي ذكرها، فكيف قال النَّووي ما قال؟! فافهم.
وقد ذكر سيدي العارف الشيخ عبد الغني النابلسي أنَّه كان يجتمع بالقاضي شمهورش، ويقرأ عليه، ويدارسه، وهو كان قاضي الجن، وقيل: إنَّه صحابي؛ لأنَّه بلغ من العمر مدة طويلة، قيل: من جن نصيبين أو من غيرهم.
وقد اشتهر عند علماء الروحاني أنهم قالوا: إذا قرأ الإنسان كلمات وأسماء سريانية عددًا مخصوصًا بصفة مخصوصة؛ أنَّه يجتمع بالجن الخادم لهذه الكلمات، كما ذكر ذلك أحمد البوني في «شمس المعارف» ، والله أعلم أن الظَّاهر أن الممتنع رؤيتهم على صورتهم الأصلية من غير طلب وقصد، أمَّا على صورة أخرى بطلب من عزيمة ونحوها؛ فغير ممتنع؛ فليحفظ.
وقد حدثني شيخي عن شيخه الشيخ محمَّد الكزبري: أنَّه كان عنده مرة الشيخ عبد القادر القباني فأخبره: أنَّ له شيخًا من الجن، فاستأذنه بالاجتماع به، فأذن له، فاستأذن الشيخ الجني، فأذن له لكن بشرط أن يكون الوقت ليلًا وأن يكون بغير نور، فاجتمعوا في مكان، وسمع صوته ولم ير شخصه، وأنَّ صوته رقيقٌ [7] ، هكذا قال، والله أعلم.
قال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث دليل على أنَّ أصحاب سليمان عليه السَّلام كانوا يرون الجن، وهو من دلائل نبوته، ولولا مشاهدتهم إياهم؛ لم تكن تقوم الحجة له؛ لمكانته عليهم) انتهى، واعترضه العجلوني فزعم أنَّ في دلالته على ما ذكر خفاء، انتهى، قلت: وهو ممنوع؛ لأنَّ الحديث فيه أنَّه عليه السَّلام أحبَّ أن يربط العفريت، وتنظر إليه أصحابه ويشاهدوه، فتذكَّر قول سليمان؛ حيث إنَّه كانت أصحابه تشاهد الجن؛ فلم يفعل وترك ذلك؛ حرصًا على إجابة دعوة سليمان؛ فافهم، وفي «تفسير القرطبي» : (قال علي: بينا سليمان على شاطئ البحر، وهو يعبث بخاتمه؛ إذ سقط منه في البحر، وكان ملكه في خاتمه، قال جابر: قال عليه السَّلام: «كان نقش خاتم سليمان: لا إله إلا الله محمَّد رسول الله» ، وحكى يحيى الشيباني عن ابن عبَّاس: أنَّ الذي أخذ خاتمه صخر من الشياطين، ثم إنَّه وجد الخاتم في عسقلان، قال علي رضي الله عنه: لما أخذ سليمان الخاتم؛ أقبلت إليه الشياطين، والجن، والإنس، والطير، والوحش، والريح، وهرب الشَّيطان، فاستشارهم حتى أرسل إليه، وأوثقه في جبل الدخان) انتهى، قلت: فهذا يدل على أنَّ أصحاب سليمان يشاهدون الجن والشياطين، ويدل عليه قوله تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ ... } ؛ الآية [النمل: 17] ، وبهذا كفاية، والله أعلم.
وقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث دليل على أنَّ الجن ليسوا باقين على عنصرهم النَّاري، ولأنَّه عليه السَّلام قال: «إنَّ عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهتي» ، وقوله عليه السَّلام: «رأيت ليلة أسري بي عفريتًا من الجن يطلبني بشعلة من نار، كلما التفت إليه رأيته» ، ولو كانوا باقين على عنصرهم النَّاري، وأنهم نار محرقة؛ لما احتاجوا إلى أن يأتي الشَّيطان أو العفريت منهم بشعلة من نار، ولكانت يد الشَّيطان أو العفريت أو شيء من أعضائه إذا مس ابن آدم أحرقه، كما يحرق الآدميَّ النَّارُ الحقيقية بمجرد اللمس، فدل هذا على أنَّ تلك النَّارية انغمرت [8] في سائر العناصر حتى صار البرد، ويؤيده قوله عليه السَّلام: «حتى وجدت برد لسانه على يدي» ، وفي رواية: «برد لعابه» ) انتهى، قلت: وهذا كلام في غاية من التحقيق.
وقال البغوي: (وفي الجن مسلمون وكافرون، ويحيون ويموتون، وأمَّا الشياطين؛ فليس فيهم مسلمون، ويموتون إذا مات إبليس) ، وذكر وهب: أنَّ من الجن من يولد لهم، ويأكلون ويشربون بمنزلة الآدميين، ومن الجن من هم بمنزلة الريح لا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون، من نار السموم: ريح حارة تدخل مسام الإنسان فتقتله، ويقال: السموم بالنهار، والحرور بالليل، وعن الكلبي: السموم: نار لا دخان لها، والصواعق تكون منها، وهي نار بين السَّماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله أمرًا خرقت الحجب فهوت إلى ما أمرت، فالهدة التي تسمع هي خرق [9] ذلك الحجاب، وقيل: نار السموم: لهب النَّار، وقيل: من نار السموم؛ أي: من نار جهنم.
وعن الضحاك عن ابن عبَّاس: (كان إبليس من حي من الملائكة يقال لهم: الجن، خُلقوا من نار السموم، وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، وأما الملائكة؛ فخلقوا من النور) انتهى، قلت: وهذا يؤيد ما قاله إمام الشَّارحين؛ فليحفظ.
قلت: وما يزعمه الناس من أنَّ الجن تصرع بعض الإنس بكلمات يقرؤها المشايخ؛ فباطل، ولهذا قال الإمام الجبائي: الناس يقولون: المصروع إنَّما حصلت له تلك الحالة؛ لأنَّ الشَّيطان يمسه ويصرعه؛ وهو باطل؛ لأنَّ الشَّيطان ضعيف لا يقدر على صرع الناس، ويدل عليه وجوه:
أحدها: قوله تعالى حكاية عن الشَّيطان: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} [إبراهيم: 22] ، وهذا صريح في أنَّه ليس للشيطان قدرة على الصرع والقتل والإيذاء.
وثانيها: أنَّ الشَّيطان ليس كثيف الجسم، وإلا لوجب أن نشاهده؛ إذ لو كان كثيفًا ويحضر ثم لا يرى؛ لجاز أن يكون بحضرتنا شموس، ورعود، وبروق، وجبال، ونحن لا نراها، وذلك جهالة؛ لأنَّه لو كان جسمًا كثيفًا؛ كيف يمكن أن يدخل الشَّيطان في باطن بدن الإنسان؟ ولو لم يكن جسمًا كثيفًا؛ لكان جسمًا لطيفًا كالهواء، ومثل ذلك يمتنع أن يكون فيه صلابة وقوة، فيمتنع أن يكون قادرًا على الصرع للإنسان وقتله.
ثالثها: لو كان الشَّيطان يقدر على أنْ يصرع ويقتل؛ لصحَّ أن يفعل مثل معجزات الأنبياء، وذلك يجر إلى الطعن في النُّبوة.
رابعها: أنَّ الشَّيطان لو قدر على ذلك فلمَ لا يصرع جميع المؤمنين؟ ولمَ لا يخبطهم مع شدة عداوته لأهل الإيمان؟ ولم لا ينصب أموالهم، ويفسد أحوالهم، ويزيل عقولهم؟ وكل هذا ظاهر الفساد.
وزعم قوم أنَّ الشَّيطان يقدر على ذلك لما روي: (أنَّ الشياطين في زمان سليمان كانوا يعملون له ما شاء من محاريب وتماثيل) ، ولقوله تعالى {يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ} [البقرة: 275] ، وهذا صريح في ذلك.
وأجيب عن الأول: بأنَّه تعالى كثَّف [10] أجسامهم في زمان سليمان، فلما صارت كثيفة؛ قدرت على الأعمال الشاقة، وهو من معجزاته.
وعن الثاني: أنَّ الشَّيطان يمسه بالوسوسة المؤذية التي يحدث عندها الصرع، وهو قول أيِّوب: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41] ، وإنَّما يحدث الصرع عند تلك الوسوسة؛ لأنَّ الله خلقه عند ضعف الطبع وغلبة السوداء عليه، فلا جرم يخاف ويفزع عند تلك الوسوسة، ولهذا لا يوجد في الفضلاء.
وقد أفرد بيان الجن وأحكامها الإمام العلامة بدر الدين الشبلي الحنفي في كتاب سماه «آكام المرجان في أحكام الجان» ، فعليك به؛ لأنَّه لم يُسبق بمثله، وقد أودع فيه من التحقيقات الرَّائقة والتدقيقات الفائقة بما لم يسمع بمثله، فلله دره ما أعلمه، وفيه من أحكامهم: ولا خلاف في أنَّهم مكلفون، مؤمنهم في الجنة وكافرهم في النَّار، واختلفوا في ثواب الطائعين؛ ففي «الفتاوى البزازية»
[ص 657]
معزوًّا [11] لـ «الأجناس» عن الإمام الأعظم أنَّه قال: (ليس للجن ثواب) انتهى، وذلك؛ لأنَّه جاء في القرآن فيهم {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [الصف: 11] والمغفرة لا تستلزم الإثابة؛ لأنَّه ستر؛ منه: المغفر للبيضة [12] ، والإثابة بالوعد فضل، فثوابهم النَّجاة من النَّار، وإليه ذهب جماعة، وبه قال اللَّيث وأبو الزناد، وقال الإمامان أبو يوسف ومحمَّد بن الحسن: (لهم ثواب كما عليهم عقاب) ، وبه قال مالك وابن أبي ليلى.
قال في «الفتاوى السراجية» : (ولا تجوز المناكحة بين بني آدم والجن وإنسان الماء؛ لاختلاف الجنس) انتهى، وتبعه في «منية المفتي» ، و «الفيض» ؛ لقول الله تعالى: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} [النحل: 72] أي: من جنسكم، ونوعكم، وعلى خلقكم، كما قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} [التوبة: 128] أي: من الآدميين، ولما رواه حرب الكرماني في «مسائله» عن الزهري قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح الجن) وهو مرسل، لكنَّه حجة عند الجمهور لا سيما وقد اعتضد بأقوال العلماء؛ فروي المنع عن الحسن البصري، وقتادة، والحاكم، وابن [13] قتيبة، وإسحاق بن راهويه، وعقبة [بن] الأصم، وغيرهم، فإذا تقرر المنع من نكاح الأنسي الجنية، فالمنع من نكاح الجني الأنسية أولى.
وسئل مالك عن نكاح الجن، فقال: (ما أرى بذلك بأسًا في الدين، ولكن أكره إذا وجد امرأة حامل، قيل لها: من زوجك؟ قالت: من الجن، فيكثر الفساد في الإسلام) انتهى.
قال الإمام الجليل قاضيخان في «فتاواه» : (امرأة قالت: معي جني يأتيني في النَّوم مرارًا، وأجد منه في نفسي ما أجد لو جامعني زوجي، قال: لا غسل عليها) انتهى، وقيده المحقق الكمال بن الهمام بما إذا لم تُنزل، أمَّا إذا أَنزلت؛ وجب الغسل؛ لأنَّه احتلام.
ويصح الصلاة خلف الجني؛ لأنَّه مكلف بلا خلاف، وتنعقد الجماعة بهم؛ لما رواه أحمد في «مسنده» عن ابن مسعود في قصة الجن وفيه: (لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي؛ أدركه شخصان منهم فقالا: يا رسول الله؛ إنَّا نحب أن تؤمنا في صلاتنا، فقال: فصفهما خلفه، ثم صلى بنا، ثم انصرف) .
ورواية الجني مقبولة، وقال السيوطي: لا شك في جواز روايتهم عن الإنس ما سمعوه سواء علم الإنسي بهم أولا، وأمَّا رواية الإنسي عنهم؛ فالظَّاهر منعها؛ لعدم حصول الثِّقة بعدالتهم.
وذبيحة الجني لا تؤكل؛ لأنَّه عليه السَّلام نهى عن أكل ذبائح الجن كما في «الملتقط» .
والجمهور على أنَّه لم يكن من الجن نبي، وذهب الضحاك وابن حزم على أنَّه كان منهم نبي، وتمامه في «آكام المرجان» .
ولم يعرف العجلوني مذهب إمامه، فلم يتعرض لأحكامهم مع أنَّه لازم؛ تتميمًا للفائدة حتى لا تشتاق النفس إلى ذلك؛ فليحفظ والله أعلم.
[2] كذا في الأصل، وفي «المحكم» : (الخالية) .
[3] في الأصل: (فغدا) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[4] {اليوم} : سقطت من الأصل.
[5] في الأصل: (أحدًا) ، وليس بصحيح.
[6] في الأصل: (أمتي) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[7] في الأصل: (رقيقًا) ، وليس بصحيح.
[8] في الأصل: (انغمزت) ، وهو تصحيف.
[9] في الأصل: (حرق) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[10] في الأصل: (كشف) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[11] في الأصل: (معزيًّا) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[12] في الأصل: (المغفرة لأبيضة) ، ولعل المثبت هو الصواب.