فهرس الكتاب

الصفحة 262 من 1257

ومنهم أهل جباية الأموال، يحصلون من الرعايا ما فرضت عليهم الحكومة من خراج، مع مراعاة قانونها في ذلك، ثم يستحفظون ما يحصلون في خزائن المملكة، وهي خزائن الرعايا في الحقيقة، وإن كانت مفاتيحها بأيدي خزنتها. ومنهم من يتولى صرف هذه الأموال في المنافع العامة للرعية، مع مراعاة الاقتصاد والحكمة، كإنشاء المدارس والمكاتب، وتمهيد الطرق وبناء القناطر وإقامة الجسور وإعداد المستشفيات، ويؤدي أرزاق سائر العاملين في شؤون الحكومة، من الحراس والحفظة وقضاة العدل وغيرهم، حسبما عين لهم.

وهذه الطبقات من رجال الحكومة، الوالين على أعمالها، إنما تؤدي كل طبقة منها عملها المنوط بها بحكم الأمانة، فإن خزيت أمانة أولئك الرجال - وهم أركان الدولة - سقط بناء السلطة، وسلب الأمن، وراحت الراحة من بين الرعايا كافة، وضاعت حقوق المحكومين، وفشا فيهم القتل والتناهب، ووعرت طرق التجارة، وتفتحت عليهم أبواب الفقر والفاقة، وخوت خزائن الحكومة، وعميت على الدولة سبل النجاح، فإن ضربها أمر سدت عليها نوافذ النجاة.

ولا ريب أن قوما يساسون بحكومة خائنة اما أن ينقرضوا بالفساد، واما أن يأخذهم جبروت أمة أجنبية عنهم، يسومونهم خسفا، ويستبدون فيهم عسفا، فيذوقون من مرارة العبودية ما هو أشد من مرارة الانقراض والزوال.

ومن الظاهر ان استعلاء قوم على آخرين، إنما يكون اتحاد آحاد العاملين، والتئام بعضهم ببعض، حتى يكون كل منهم لبنية قومه كالعضو للبدن، ولن يكون هذا الاتحاد حتى تكون الأمانة قد ملكت قيادهم، وعست بالحكم أفرادهم.

فقد كشف الحق أن الأمانة دعامة بقاء الإنسان، ومستقر أساس الحكومات، وباسط ظلال الأمن والراحة، ورافع أبنية العز والسلطان، وروح العدالة وجسدها، ولا يكون شيء من ذلك بدونها.

واليك الاختيار في فرض أمة عطلت نفوسها من حلية هذه الخلة الجليلة، فلا تجد فيها إلا آفات جائحة، ورزايا قاتلة، وبلايا مهلكة، وفقرا معوزا، وذلا معجزا، ثم لا تلبث بعد هذا كله أن تبتلعها بلاليع العدم، وتلتهمها أمهات اللهم».

يا مصدر التوفيق، يا خير رفيق، يا رب العباد، هبنا فضيلة الأمانة، وجنّبنا رذيلة الخيانة، فانك الرؤوف الرحيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت