ثُمَّ لقاؤه لإدريس في الرَّابعة، وهو المكان الذي سمَّاه الله تعالى: {مَكَانًا عَلِيًّا} [مريم: 57] ، وإدريس أوَّل من آتاه الله الخطَّ بالقلم، فكان ذلك مُؤذِنًا بحالة رابعة، وهو علوُّ شأنه حتَّى أخاف الملوك، وكتب إليهم يدعوهم إلى طاعته، حتَّى قال أبو سفيان عند خروجه من عند هرقل: (لقد أَمِر أمرُ ابن أبي كبشة حتَّى أصبح يخافه ملك بني الأصفر) ، وكُتِب عنه بالقلم إلى جميع ملوك الأرض، فمنهم من اتَّبعه؛ كالنَّجاشيِّ وملك عُمَان، ومنهم من هادنه وأهدى إليه وأتحفه؛ كهرقل والمقوقس، ومنهم من تعصَّى عليه، فأظفره الله تَعَالَى به، فهذا مقامٌ عليٌّ وخطٌّ بالقلم؛ كنحو [66] ما أُوتِي إدريس.
ولقاؤه في الخامسة هارون المُحَبَّ في قومه يُؤذِن بحبِّ قريش وجمع العرب له بعد بغضهم فيه.
ولقاؤه في السَّادسة موسى يُؤذِن بحالة تشبه حاله حين أُمِرَ بغزو الشَّام، فظهر على الجبَّارين الذين كانوا فيها، وأدخل بني إسرائيل البلدَ الذِي خرجوا منه بعد إهلاك عدوِّهم، وكذلك غزا عليه الصَّلاة والسَّلام تبوك من أرض الشَّام، وظهر على صاحب دومة حتَّى صالحه على الجزية بعد أنْ أُتِي به أسيرًا، وافتتح مكَّة ودخل أصحابُه البلدَ الذي خرجوا مِنْهُ.
ثُمَّ لقاؤه في السَّابعة إبراهيم لحكمتين؛ إحداهما: أنَّه رآه عند البيت المعمور مسندًا ظهره إليه، والبيت المعمور حيالَ الكعبة، وإليه
[ج 1 ص 148]
تحجُّ الملائكة، كما أنَّ إبراهيم هو الذي بنى الكعبة، وأذَّن في النَّاس بالحجِّ إليها، والثَّانية: أنَّ آخر أحوال النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم حجُّه إلى البيت، وحجَّ معه في ذلك العام نحوٌ [67] من سبعين ألفًا من المسلمين، ورؤية إبراهيم عند أهل التَّأويل تُؤذِن بالحجِّ؛ لأنَّه الدَّاعي إليه والرَّافع [68] لقواعد الكعبة المحجوجة.
فقد انتظم في هذا الكلام الجواب عنِ السُّؤالين، وكان الحزم تركَ التَّكلف لتأويل ما لَمْ يرد فيه نصٌ عنِ السَّلف، ولكن عارض هذا الغرضَ ما يجب من التَّفكُّر في حكمته تَعَالَى والتَّدبُّر لآياته ... إلى آخر كلامه) انتهى ملخَّصًا.