قال السُّهيليُّ: وقد تكلَّم أبو الحسن بن بطَّال في «شرح البخاريِّ» على هذا السُّؤال، فلم يصنع شيئًا، ومغزى كلامه الذي أشار إليه: أنَّ الأنبياء لمَّا علموا بقدومه عليهم؛ ابتدروا إلى لقائه ابتدار الغائب للغائب القادم [62] ، فمنهم من أسرع، ومنهم من أبطأ، إلى هذا المعنى أشار، ولم يزد عليه، قال السُّهيليُّ: (والذي أقول في هذا: أنَّ مأخذ فهمه من علم التَّعبير، فإنَّه من علم النُّبوَّة، وأهل التَّعبير يقولون: من رأى نبيًّا بعينه في المنام؛ فإنَّ رؤياه تُؤذِن بما يشبه من حال ذلك النَّبيِّ من شدَّةٍ أو رخاءِ أو غير ذلك من الأمور التي أُخبِر بها عنِ الأنبياء في القرآن والحديث، وحديث الإسراء كان بمكَّة، ومكَّة حرم الله وأمنه، وقُطَّانُها جيران الله تَعَالَى؛ لأن فيها بيتَه.
فأوَّل ما [63] رأى من الأنبياء آدم الذي كان في أمن الله وجواره، فأخرجه عدوُّه إبليس منها، وهذه القصَّة تشبهها الحالة الأولى من أحواله عليه الصَّلاة والسَّلام حين أخرجه أعداؤه من حرم الله وجوار بيته، فأشبهت قصَّتُه قصَّةَ آدم، مع أنَّ آدم تُعرّض عليه أرواح ذرِّيَّته؛ البَرُّ والفاجر، فكان في السَّماء الدُّنيا بحيث يرى الفريقين؛ لأنَّ أرواح أهل الشَّقاء لا تلج السَّماء، ولا تُفتَّح لهم أبوابُها.
ثُمَّ رأى في الثَّانية عيسى ويحيى، وهما الممتحنان باليهود، أمَّا عيسى؛ فكذَّبوه، وآذَوه، وهمُّوا بقتله، فرفعه الله تَعَالَى، وأمَّا يحيى؛ فقتلوه، وهو عليه الصَّلاة والسَّلام بعد انتقاله إلى المدينة صار إلى حالة ثانية من الامتحان، وكانت محنته فيها باليهود، آذَوه، وظاهروا عليه، وهمُّوا بإلقاء الصَّخرة عليه، فنجَّاه [64] الله تعالى كما نجَّى عيسى منهم، ثُمَّ سَمُّوه في الشَّاة، فلم تزل تلك الأُكْلة تعاوده حتَّى قطعت أبهره، هكذا فُعِل بابني الخالة عيسى ويحيى؛ لأنَّ أمَّ يحيى أشياع بنت عمران أخت مريم.
وأمَّا لقاؤه في الثَّالثة ليوسف؛ فإنَّه يُؤذِن بحالة ثَالِثة تشبه حاله، وذلك أنَّ يوسف ظفر بإخوته بعدما أخرجوه من بين ظهرانَيهم، فصفح عنهم، وقال: {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ [65] ... } [يوسف: 92] ؛ الآية، وكذلك هو عليه الصَّلاة والسَّلام أسر يوم بدر جملةً من أقاربه الذين أخرجوه، ثُمَّ ظهر عليهم بعد ذلك عام الفتح فجمعهم، فقال: أقول ما قال أخي يوسف: {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ} .