ومن تأمَّل الأحاديث؛ وجد نومه أكثر من مرَّة، ووجه الجمع بين الرِّوايات فيه صعوبة، وقال الشَّيخ مُحيِي الدِّين في «شرح مسلم» : (هذه الأحاديث جرت في سفرتين أو أسفار، لا في سفرة واحدة، وظاهر ألفاظها يقتضي ذلك) انتهى، وقال قبل ذلك بقليل: (واختلفوا في هذا النوم هل كان مرَّة أو مرَّتين؟ وظاهر الأحاديث مرَّتان) انتهى، والظَّاهر: أنَّ هذا من تكملة كلام القاضي، وقال ابن قيِّم الجوزيَّة في (غزوة خيبر) في «الهدي» لمَّا ذكر حديث النَّوم عنِ الصَّلاة مقفله عن خيبر؛ قال: (وهذه أصحُّ مِنْ قول مَنْ قال: كان ذلك في غزوة حنين، ومن قال في روايته للحديث: كان ذلك عام الحُدَيْبِيَة؛ فليس بمخالف للرواية الأولى، وقال أيضًا: اعلم أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام لمَّا انصرف عن وادي القرى راجعًا إلى المدينة؛ فلمَّا كان ببعض الطَّريق؛ سار ليلة حتَّى إِذَا كان ببعض الطَّريق [16] ؛ عرَّس، وقال لبلال: «اكلأ لنا [17] اللَّيل» ، فغلبت بلالًا عيناه، والقصَّة معروفة، وقد رُوِي: أنَّ هذه القصَّة كانت في مرجعهم من الحديبية، ورُوِيَ: أنَّها كانت مرجعه من تبوك، وقد روى قصَّة النَّوم عن صلاة الصُّبح عمران بن حُصَين، ولم يوقِّت مدَّتها، ولا ذكر في أيِّ غزوة كانت، وكذلك رواها أبو قتادة، وكلاهما في قصَّة طويلة محفوظة، وروى مالك عن زيد بن أسلم: أنَّ ذلك كان بطريق
[ج 1 ص 140]
مكَّة، وهذا مُرسَل، وقد روى شعبة عن جامع بن شدَّاد قال: سمعت عَبْد الرَّحمن بن علقمة قال: سمعت عَبْد الله بن مسعود قال: (أقبلنا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم زمن الحديبية، فقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «من يكلؤنا؟» فقال بلال: أنا ... ) ؛ وذكر القصَّة، ولكن قد اضطربت الرِّواية [18] في هذه القصَّة، فقال عَبْد الرَّحمن بن مهديٍّ، عن شعبة، عن جامع: إنَّ الحارس فيها كان ابن مسعود، وقال غُنْدر عنه: إنَّ الحارس كان بلالًا، واضطربت الرِّواية في تاريخها، فقال المعتمر بن سُلَيْمَان عن شعبة عنه: إنَّها كانت في غزوة تبوك، وقد قال غيره عنه: إنَّها كانت في مرجعهم من الحديبية، فدلَّ على وهمٍ وقع فيها، ورواية الزُّهْرِيِّ عن سعيد سالمةٌ من ذلك) انتهى، وكان ينبغي أنْ نؤخِّر هذا الكلام إلى ما بعد ذلك، ولكن انجرَّ بنا الكلام إلى ذلك.