قوله: (بِلِقَاحٍ) : في بعض طرقه أنَّها للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وفي «مسلم» : «أنْ تخرجوا إلى إبل الصَّدقة» ، وكلاهما صحيح، وكأنَّ بعض الإبل للصَّدقة، وبعضها للنَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قاله النَّوويُّ، واللِّقاح _بكسر اللَّام_: ليس غير، جمعُ لقحة؛ بكسرها وفتحها، واللَّقاح: ذوات الدُّر من الإبل، يقال لها ذلك بعد الولادة بشهر وشهرين وثلاثة، ثُمَّ هي لبون، واللَّقحة اسم لها في تلك الحال لا صفة، فلا يقال: ناقة لقحة، ولكن يقال: هذه لقحة، وقد جاء في الحديث: (اللَّقحة) في البقر والغنم كما جاءت في الإبل، قاله ابن قُرقُول.
فائدة: عدد هذه اللَّقاح خمسَ عشرةَ، وقد أخذوها أجمع، ثُمَّ رُدَّت إلى المدينة غير لقحة تدعى: الحَنَّاء، فسأل عنها، فقيل: نحروها.
قوله: (وأَبْوَالِهَا) : في هذا الحديث: طهارة بول ما يُؤكَل لحمه، وهو مذهب مالك، وأحمد، وقول الإصطخريِّ، وابن خزيمة، والرُّويَانِيِّ، وقيَّد ذلك المالكيَّة بما إذا كانت لا تستعمل النَّجاسة، فإنْ كانت تستعملها؛ فإنَّه نجس على المشهور.
وأجاب المخالفون لهم _وهم [4] الحنفيَّة وجمهور الشَّافعيَّة_ القائلون بالنجاسة: بأنَّ شربهم للأبوال كان للتداوي، وهو جائز بكلِّ النَّجاسات سوى الخمر والمسكرات، وعند الشَّافعيَّة بشرطين؛ أحدهما: خبر طبيب مسلم، أو معرفة المتداوي إنْ عرف، ويشترط [5] ألَّا يجد ما يقوم مقامها من الطَّاهرات، ومسألة (التداوي بالأشياء النَّجسة) عقد لها ابن القيِّم بابًا في «الهَدْي» في المنع منها، واعتُرض على الشَّافعيَّة: بأنَّها لو كانت نجسة محرَّمة الشُّرب ما جاز التَّداوي بها؛ لحديث: «إنَّ الله لَمْ يجعل شفاءكم [6] فيما حرَّم عليكم» ، رواه البيهقيُّ من رواية أمِّ سلمة، وصحَّحه ابن حبَّان، وهو في «البخاريِّ» موقوفًا على ابن مسعود، وقد يجاب عنه بأنَّ الضَّرورة جوَّزته.
وفي المسألة قول ثَالِث: أنَّ بول [7] كلِّ حيوان وإنْ كان لا يؤكل لحمه طاهرٌ غير بول ابن آدم، وهو قول ابن عليَّة وأهل الظَّاهر، وروي مثله عنِ الشَّعبيِّ، ورواية عنِ الحسن، وظاهر [8] إيراد البخاريِّ يوافقه حيث ذكر الدَّوابَّ مع الإبل والغنم.
تنبيه: حديثا جَابِر والبراء مرفوعان: «ما أُكِل لحمه؛ فلا بأس ببوله» : ضعيفان، كما بيَّنه الدَّارقطنيُّ وغيره.