وهنا نأتى إلى الخطإ الثالث الذى ارتكبه المؤلف، وهو ما فهمه من أن الآيات القرآنية تتحدث عن التقاء بين النهر والبحر دون أن يتم بينهما امتزاج، وهذا الزعم أيضا لا وجود له في القرآن. القرآن يقول إنه قد جعل بين البحرين (أى البحر والنهر) حاجزا أو برزخا يمنعهما من طغيان أى منهما على الآخر، لكنه لم يقل إنه لا يحدث بينهما امتزاج عند اللقاء. وسوف أوضح هذا المعنى فيما بعد، لكنى أحب أن أركز هنا على أن الكاتب قد نسب للقرآن ما لم يقله القرآن! لقد فهم النصَّ القرآنىَّ خطأً أو اعتمد على ترجمةٍ فهم صاحبُها ذلك النصّ فهمًا خاطئًا، فكان أَنْ خطّأ القرآن الكريم، والقرآن من الخطإ براء! وقد يكون تعمَّد هذا تعمُّدا!
وهناك خطأ رابع وقع فيه الكاتب أيضا، وهو محاسبة النص القرآنى على أساسٍ من فهم بعض المفسِّرين المسلمين كما قال. ولعله يقصد د. موريس بوكاى الطبيب الفرنسى المسلم الذى فسّر الآيات القرآنية المذكورة على أساس أن المقصود بالبحرين هما دجلة والفرات من جهة، والخليج العربى من جهة أخرى، وسوف أعود إلى هذه النقطة لاحقًا (انظر موريس بوكاى/ القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم/ دار المعارف/القاهرة/ 1982م/ 205) . وليس في النصوص القرآنية ما يُفْهَم منه أن ذلك هو معنى البحرين الواردين فيها، ومن ثَمَّ فليس للكاتب أى عذر في التهكم الذى وجَّهه للقرآن حين أكد أن ما يقوله الكتاب الكريم في هذا الشأن لا يزيد عن ملاحظةٍ بسيطةٍ جدا لظاهرة طبيعية يمكن كلَّ من يقف عند مصب هذين النهرين في الخليج العربى أن يلاحظها، وأن الخرافاتِ البابليةَ قد سبقت القرآنَ إلى هذه الملاحظة منذ آلاف السنين، فلا إعجاز إذن ولا يحزنون!