... لا نقول له: تعال وفكر، هكذا في عملية ميكانيكية جافة، ولكن التفكير والتأمل وتوارد الخواطر الرحمانية والنظر إلى يوميات الحياة بعين البصرة سيكون نتيجة طبيعية لخلوته مع نفسه وبعده عن الاضطراب ولو كانت الخلوة في غير المسجد آمنة لأقررناها، ولكن شاء الله أن يجعل البركة في بيوته، ويخصها بخصائص تنفرد بها.
... بإمكاننا أن نعلمه هذه الخلوة لساعة أو لبضع ساعات متفرقة خلال اليوم، تقل وتزيد، ونختار لها الأوقات التى لا تتعارض مع النشاط العام، لا بطلب وأوامر، بل بتشويق عملى من خلال صحبتنا له قبل اداء الفروض وبعدها، وتلاوة القران أمامه، وكأننا اليوم لا نتقن ذلك، ونرجع اللقاء الجماعى معه في الأندية والملاعب ومجالس النقاش، وليس في هذا الترجيح عيب، ولكن اعتماد أسلوبنا عليه فقط هو المعيب، حتى بتنا لا ندخل المسجد إلا قبيل الإقامة، ونسرع الخروج منه بعيد السلام.
... كلا، بل علينا أن نوازن ولا نجعل اللبث في المساجد ضامرا، فإن خريج المسجد غالبا ما يكون عاقلا رزنا مترويا، ذائقا لثمرات الإيمان، ذاتى الاندفاع ليس بالمطيع فقط، ولكنه المبتكر، ولا السائر بحركة مسيرة أصحابه فحسب ولكنه المتقدم الحادى.
... كأننا أيها الأخوة نلمس تكبيرا على المسجد عند بعض جدد المصلين المثقفين والجامعيين، يدخلونه وقت الفرض فقط، ويأنسون بالمجالس خارجه. وربما كانت هذه الظاهرة ناتجة عن الدعاية العرفية التى تعلى مكانة الجامعة في تطوير المجتمع، فتأخذ طالبها وخريجها نشوة جاهلية تختلط بصلاته، ومن اللائق أن نرده إلى قيمته الحقيقية وأن ندله على طريق البداية الإيمانية الذى لابد وأن يمر بالمسجد طويلا.
... إن العيش في المجتمع العام، والتفاعل مع أحداثه، قد يستهلكان المخزون الإيمانى الذى يملكه المدعو، فيقف عطاؤه عند حد ويفلس، وعلاج ذلك: أن نجعل له موردا دائما تتكفل به حياة المسجد، وما فيها من سكون وصفاء نفس، ورحمة متنزلة وإلهام.