... سطور معاملة الناس، ومعرفة أطوار جاهليتهم، والمساعى المبذولة لإصلاحهم، وصبر الأحرار في المحن، وكيف يسبق المراهق المغامر الفاسق الشيخ الحكيم المؤمن.
... بهذه السطور تكتشف النفس المعانى، فإن الحياة إن خلت من حركة التغيير: فقدت مغزاها. وحركة التغيير إن انحرفت عن حدود حقائق الفطرة: أخطأت هدف المسير. وهدف المسير إن لم تستعن على بلوغة، بما وراء المعادلات العقلية من منح التوكل: طال دربك، وتبدد من جهدك الكثير.
... وذاك هو تعليل ما يصيب الدعاة من انخلاع عما حولهم من طبائع التوكل العامى، فالأدعية من كل جانب تطرق سمعهم، لكنها لا تلقى منهم الاهتمام، إذ لا تعدو همس طالب غنى، أو منتظر لذائذ، إلا صوتًا يأسرهم من بعيد عير القرون، تطرب له قلوبهم، فتنجذب، فتقترب، فتنصت، فتجد نبرة الزاهد سديف بن ميمون، يلقنهم دعاء المفاصلين، ويعلمهم كيف يلبون:
... اللهم قد (حكم في أبشار المسلمين أهل الذمة، وتولى القيام بأمورهم فاسق كل محلة. اللهم وقد استحصد زرع الباطل، وبلغ نهايته، واجتمع طريده. اللهم فأتح له يدًا من الحق حاصدة، تبدد شمله، وتفرق أمره، ليظهر الحق في أحسن صوره وأتم نوره) (1)
فتأخذهم إطراقة حين يوازنون: في أيهما كان هذا الصالح أبلغ: أفى كشفه سبب واقع السوء، أم في وصفه الحصاد.
... وما تدرى أهم لسديف يقدمون، وله يقلدون، أم للخليفة العباسى، القائم بأمر الله بن القادر لما تفنن في تضرعه إلى الله تعالى عندما تغلب المفتتن الباطنى الفاطمى المسمى بالبساسيرى عليه، وأرسل رسالته:
إلى الله العظيم، من المسكين عبده.
اللهم إنك العالم بالسرائر، المطلع على الضمائر. اللهم إنك غنى بعلمك، واطلاعك على خلقك، عن إعلامى. هذا - أى البساسيرى - عبد قد كفر نعمتك وما شكرها، وألغى العواقب وما ذكرها. أطغاه حلمك حتى تعدى علينا بغيًا، وأساء إلينا عتوًا وعدوا.
(1) عيون الأخبار لابن قتيبة 1 / 76.