الصفحة 15 من 373

وفى الالتفات الإنسانية المتأملة لأسرار الحياة والعلاقات الاجتماعية نظرات رائعة، صادقة، وتتيسر لها في كثير من الأحيان إطلالة على حقائق النفس من زاوية معينة تريك منها إذا صحبتها ما لا ترى مجابهة، حتى ليأسرك جمال ما هنالك أو يخيفك، تبعًا لواحدة من حالتين طبعت عليها: زكاء أو فجور، والمستزيد يرى في مجموع هذه الالتفاتات رصيدًا من الحكمة يشارك في التفسير الوحى، فيحرص عليه.

وما هى بأول الحكمة ولا آخرها، ولكنها لمحة من على ثَنِيّة في طريقها، لمحها الخليفة المأمون، فرأى أن (منلم يحمدك على حسن النية: لم يشكرك على جميل الفعال) (1) .

وإنما اكتشف ذلك لما فيه من نبل وافر، إذ هو تربية خلافة، ووارث رشيد، والذى بدر منه ظلم لأهل الحديث ونصر للبدعة استزلال شيطان لم يجتث الفضل كله، بل أبقى منه بقية.

وأهمية قول المأمون تكمن في أنه يحيلك على ابتداء من النية لا ينبغى إهماله إذا أردت قياس الفعل في النهاية، فإن الفعل الخطأ تشفع له النية الصالحة حتى تثنيك عن الملامة، والفعل الصائب بمقابلة: واجب عليك شكره، لا يصرفك عن الشكر إنه قدر مقضى، فإن صاحبه قد امتُحِن قلبُه فاختار الطيبة دون الشوء.

فالأظهر من قوله: إنها همسة لك خفية، لكنها قوية، أرادك بها إذ أنكر على غيرك، ونصحك ظالمًا في صورة مظلوم، وجاحدًا في هيئة واهب.

بشاشة المهدى

لكن هذا ليس أكثر من العدل وما يقتضيه الإنصاف، وفوقه منزلة في الفضل أسمى: أن يكون تقويم النكوب بإقبال، وأن يبُذل الإحسان ردًا على العدوان.

وما يذوق أحد للحياة من حلاوة، ولا يرى لها من زينة، إلا يوم يوجد هذا الباذل، فيملؤها حبًا كما امتلأت عبوسًا.

وذهب المأمون في ذلك مذهبًا نادرًا، ففضل صاحبه مثل هذا على مكث في خلافته ليس في الدنيا في عصره أعز منها، وشهد عليه بذلك نديمة مخارق حين أنشده قول أبى العتاهية.

(1) تاريخ الخلفاء للسيوطى / 321.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت