الصفحة 14 من 373

ولقد تعلم الدعوات هذا الخطر، فترسلها مواعظ ووصايا للدعاة، ولكن المباح يدب دبيبًا خفيًا.

* فإن تملص الداعية وسَلّ نفسه: لم يك استعلاؤه على الراحة والرغد كافيًا لحصار الشيطان في زاوية اليأس، بل للشيطان محاولة سادسة، فيكون له التفاف واقتحام من ثغرة أخرى، فينثر ترتيب قائمة الأوليات النسبية، ويعكس القواعد الشرعية في تفاضل الأعمال الإيمانية، ويلهى المؤمن بالمفضول المرجوح، فيقصى من له علم نافع عن جمهور المنتفعين منه، ويشغله بزيادة ركوع وسجود، هما جليلان، لكن التعليم أوجب عليه بعد الفرض منهما، وينقل آخر له وفرة قوة وبسطة في الجسم والذكاء، وخبرة في السياسة والإدارة، من تفاعله المنتج مع يوميات الخطة الجماعية، ومن صولاته في ساحة الفكر، إلى إشراف على بناء مدرسة أو إغاثة منكوب.

فمن استمسك بالفاضل الراجح، وزهد، وأبى تلبية نداء الشهوات، ولم تستزله الشبهات، فقد راغم الشيطان أبلغ المراغمة.

ويحكم بيننا الخلق الجميل

لكن تبقى على الداعية بقية لتكمل سكينته: أن يتخلق مع إخوانه الدعاة بخلق العفو والتجاوز، فإن الصدود وإضمار الانتقام وانتظار الرد بالمثل لن تنفك تزيد حرارة القلب حتى تدعه قلقًا مضطربًا.

إن دعوى المراغمة لن تستقيم دون حلم، إذ ما تزال التقوى تدور بين تنفيذ فرض ومندوب يحاول الشيطان تخذيلنا إزاءهما، أو الكف عن حرام ومكروه يستدرجنا الشيطان نحوهما ويفرح إذا زلت أقدامنا إليهما، وللشيطان نشوة عند غيظ يراه من مؤمن أو غضب يعتريه يستتم به عليه ذهول وإغلاق، يحجبانه عن خلق في السماعة أمثل، وينزعان عنه رداءً من المهابة قشيبًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت