وقد عزَّ عليّ أن أجد في الشعر الجاهلي الذي قرأت صورة محتقرة لصانع ما خلا نافخ الكير، إذ جاءت هذه الصورة المنفرة مرتين، الأولى في قول أمية بن خلف الخزاعي يهجو حسان بن ثابت وذلك قوله [1] :
يَمانيًّا يظَلُّ يَشُدُّ كيرًا ... وينفخ دائبًا لهب الشُّواظ
والثانية قول عمرو بن كلثوم في هجاء النعمان بن المنذر يغمز في نسبه [2] :
لحا الله أدْنَانا إلى اللؤم زُلْفَةً ... وألأمنا خالًا وأعجزنا أبا
وأجدرنا أن يَنْفُخَ الكيرَ خالُهُ ... يَصوغُ القروطَ والشّنوفَ بيثربا
ولا أدل على تقدير العرب للصناعة وأهلها وللحرف وأصحابها، من أنهم نسبوا بعضها إلى أنبياء الله مثل داود وسليمان عليهما السلام اللذين نسبت إليهما الدروع، وإلى إدريس عليه السلام الذي نسبت إليه الثياب كما ذكر الثعالبي أنه"أول من خط الكتاب وخاط الثياب" [3] . كما أن كثيرًا من أشراف العرب وسادتها في الجاهلية والإسلام عملوا في الصناعة واشتغلت بها شخصيات كان لها دور في بداية الإسلام، فأبو بكر الصديق كان بزازًا وكذلك عثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف [4] ، وعروة بن مسعود وغَيْدَن بن سلمة اللذان تعلما صناعة الدبابات والمجانيق [5] وعروة بن الزبير الذي كان نجاراُ يقطع السدر ويتخذ منه أبوابًا [6] والوليد بن المغيرة والعاص بن هشام
(1) . ديوان حسان بن ثابت، 297.
(2) . الأصفهاني، الأغاني، 11: 20.
(3) . الثعالبي، لطائف المعارف 16وانظر ابن خلدون المقدمة، 412.
(4) . ابن قتيبة، المعارف، 575.
(5) . ابن هشام، السيرة النبوية 4: 478.
(6) . ابن منظور، اللسان (سدر) .