الأصل بذلك، غيرَ أنَّه مسموع في الأصل، ومستدل عليه في الفرع، وهذا كما نَعلمُ بعض المعلومات العقلية بضرورة العقل وبديهته، ونَعلمُ بعضها بدليله وحجته، وكله معلوم بالعقل، فكذلك نعلم ورود الحكم من الله سبحانه في بعض الأمور سماعًا ونصًا، ونعلمه في بعضها بدليل، وكلّه معلومٌ وثابتٌ بالسَّمع؛ لأنَّ السَّمعَ جعل المعنى أمارة على الحكم، ولو لم يرد ذلك لم يكن علامة تُبْطِلُ ما قالوه كلّه.
ويقال لهم أيضًا: إذا كانت العللُ العقلية تُدرَكُ صحتُها والعلم بما أدّت إليه ببنائها على الأصول التي هي العلومُ الضرورية ومردودة إليها، وجب أيضًا أن لاتكونَ علومُ الحواسِّ والضَّرورات طريقًا للعلم بشيءٍ إلا ببنائها على علومٍ اخرى، وكذلك القولُ في أصول أصولها، وإذا لم تجب التسويةُ بين الفروع والأصولِ فِى هذا البابِ، لم يجب ما قالوه.
وكذلكَ إذا كنا قد اتفقنا على أنَّ علومَ الضَّرورةِ متناوِلةٌ للمعلوماتِ، بأنفسِها بغيرِ واسطةٍ، وبناؤها على علومٍ سواها، وجبَ أن تكون هذه سبيلَ علومِ النظر التي هي فروعُها حتى نحصِّلَ علومًا متناوِلة للمعلوماتِ، مبتدأة من غير نظرٍ ولا بناءٍ لها على علومٍ هي أصول لها متقدمةٌ عليها، وإذا لم يجب هذا باتفاق، سقطَ قولهم: إنَّ ما به ثبت الأصلُ، هو الذي به يجب ثبوتُ الفرع.
على أنَّ أصلَ الكلامِ منهم باطل؛ لأنَّ لكلِّ حقيقةٍ دركًا مخصوصًا،