ثم اختلفوا في علَّةِ نفي اسمِ الكلامِ عنه:
فقال قوم: لأنَّه ليس يعَبِّر عَمَّا في النَّفْسِ، وهم نُفَاةُ الضَيغِ عن كونِها كلامًا، والمُثبتونَ للكلام قائمًا بالنَفْسِ.
وقومٌ نفوه لأنَه لا يصدُرُ عن إرادةٍ لِمَا يتضمنهُ مِن الاستدعاءِ. ونحنُ نَسْلُبُه [1] اسمَ الكلام؛ لأنَه مدفوعٌ إليه، فهو كما يخرجُ من الحروفِ عن غَلَبةِ عُطاسٍ أو سُعالٍ أو تثاؤبٍ.
وأَمَّا النهيُ، فلا نُسَلِّمُ كوَنه نهيًا لكراهةِ المَنْهي عنه، بل لاستدعاءِ التركِ مع الرُّتبةِ، كما أن الأمرَ استدعاءُ الفعلِ مع الرتبةِ، فلا فرقَ بينهما، وهذا ينبني على أصلٍ كبيرٍ، وان جميع الأفعالِ والكائناتِ مُرادةٌ، وأنَها لا تقعُ إلا بإرادةِ القديمِ سبحانه، وان ما شاءَ كان، وما لم يشأ لم يكن.
وأَمَّا التقسيمُ الآخرُ، فالجواب عنه: أنها أمرٌ بكونِها استدعاءً بالقولِ مِن الأعلى للأدنى، ولا يفتقرُ إلى ما هو أكبرُ مِن ذلك، ولا يقتنعُ فيها بدُون ذلك.
والقرائنُ تعملُ عملَها في صرفِها لها عن موضوعِها عند قوم، والصحيحُ على ما سمعناه مِن الأئمةِ في اللُّغةِ والنحوِ والأصولِ، أنَ الصيغةَ للتهديدِ وللتعجيزِ تُشَابِهُ صيغةَ الأمرِ، وليست أمرًا صُرفَ إلى غيرِ الأمرِ بقرينةٍ.
وأّمَّا قولُهم: يكون ساهيًا أو ذاهلًا فليس بصحيحٍ، لأنَّه بإرادةِ
(1) في الأصل: (نسبله) وهو تصحيف مما أثبتناه.