الصفحة 26 من 282

إن من المسلّم بداهة أن الوالد لا يهنأ له بال حتى يري أبناءه في غاية السعادة، وإن مما يصعب تصوره أن يكون الوالد سببًا في شقاء أبنائه وتعاستهم، ولكن هذا يحدث عندما يتبخر حنان الأبوة من ذلك القلب، وتحل القسوة بدلًا عنه، أو حين يفقد الإحساس ويخيّم الجهل على حياته، وتضرب الغشاوة على عينيه فلا يعود يميز شيئًا، وحينئذ فإن كل ما يحدث إنما هو نتيجة طبيعية وردة فعل متوقعة وعلى اختلاف النتائج والآثار فإن مؤداها واحد في الأصل وسببها يدور حول شيء واحد هو: قسوة الآباء وبعدهم عن مراقبة الله جل وعلا وخوف عقابه.

فلقد بلغ ظلم بعض الآباء لبناتهم إلى درجة كبيرة تحمل في طياتها كل معاني الأسى والحسرة، بعضهم جهلًا وبعضهم غفلة وبعضهم استغلالًا وبعضهم ربما يكون نتيجة مرض نفسي هو نفسه لا يعرف سببه، ولقد جاءت السنة النبوية محذرة من الظلم وعقوبته ومبينة فضل تربية البنات والصبر عليهن، واحتساب الأجر في تربيتهن، وموصية بإحسان الصحبة لهن، منها قوله صلى الله عليه وسلم:"بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا، البغي والعقوق" (1) .

وقوله صلى الله عليه وسلم:"من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترًا من النار" (2) .

وقوله صلى الله عليه وسلم:"من كان له أختان أو بنتان فأحسن إليهما ما صحبتاه كنت أنا وهو في الجنة كهاتين -وقرن بين إصبعيه" (3) ؛ وقوله صلى الله عليه وسلم:"استوصوا بالنساء خيرًا" (4) .

ومثل ذلك كثير في السنة النبوية، وهذا تشريع رباني لأنه أعلم بأحوال هذا الجنس وضعفه ولو أبدت المرأة غير ذلك.

ألا وإن الدافع وراء هذه الكلمات تلك الأنات الحزينة التي صدرت من قلوب جريحة تحتاج إلى الأمل كما يحتاج الضرير إلى ذبالة نور.

(1) رواه أحمد وهو صحيح، انظر السلسلة الصحيحة (1120) .

(2) البخاري 5995-مسلم 2629.

(3) أخرجه الخطيب في تاريخه؛وهو صحيح السلسلة الصحيحة للألباني 1026.

(4) البخاري 3331، مسلم 3632.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت