وهذا الإمام الشافعي الذي دون فقهه العظيم في"الأم"فلم يعقد بابًا أو فصلًا ولا حديثًا واحدًا بشأن السفر إلى قبور الأنبياء.
وكذلك الإمام أحمد لا تجد في مسنده العظيم ولا في مسائله المدونة أثرًا لهذه المسألة
ولا خبرًا، وهذا الصحيحان وبقة الأمهات الستة وأخواتها من دواوين الإسلام المعتبرة خلت خلوًا كاملًا عن قضية شد الرحال والسفر إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أو إلى قبور غيره من الأنبياء.
فما السر إذن في عمل هؤلاء الصحابة والتابعين والأئمة من الفقهاء والمحدثين؟ هل ينقصهم حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحب الصالحين من أولياء الله تعالى؟ كلا، إن شيئًا من ذلك لم يحدث ولكنها الغفلة ووسوسة شياطين الإنس والجن لعواطف الحب العمياء التي لا تميز بين حق
وباطل، ولا بين جفاء وإفراط وتفريط.
أما بالنسبة للأحاديث الضعيفة والموضوعة التي فيها حث على زيارة القبر النبوي فقد ذكرها الشيخ العلامة حماد الأنصاري رحمه الله في رسالته"كشف الستر عما ورد في السفر إلى القبر"وبين ضعفها فقال رحمه الله:
أدلة المجيزين لشد الرحل وعدم قابليتها للاستدلال بها على دعواهم أربعة عشر حديثا
1ــ"من زار قبري وجبت له شفاعتي".
أخرجه أبو الشيخ وابن أبي الدنيا، عن ابن عمر، وهو في"صحيح ابن خزيمة"، وأشار إلى تضعيفه (1) ، وقال: (في القلب من سنده شيء، وأنا أبرأ إلى الله من عهدته) (2) .
قلت: فيه مجهولان:
أ ــ عبد الله بن عمر العمري، قال أبو حاتم: مجهول.
ب ــ موسى بن هلال البصري العبدي، قال أبو حاتم في"الجرح والتعديل" (8/166) : مجهول.
وقال العقيلي في"الضعفاء" (4/170) : لا يصح حديثه، ولا يتابع عليه، يعني هذا الحديث.
وقال الذهبي في"ميزان الاعتدال" (4/226) : (وأنكر ما عنده حديثه عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر...) فذكر هذا الحديث.
(1) انظر:"المقاصد الحسنة" (رقم1125) .
(2) انظر:"التلخيص الحبير" (2/267) ،"لسان الميزان" (6/135) .