الصفحة 17 من 30

قلت: لو قال الحافظ ذلك في سائر ما أجابوا به لاستراح من تكلف البحث عن دليل معدوم، ولأراح غيره من توضيح أمر واضح جلي.

نخلص من كل ما سبق إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشرع أبدًا السفر إلى القبور لا بقوله ولا بفعله، وآية ذلك أن هذا الأمر لم ينزل في الإذن به قرآن ولم يثبت فيه حديث من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو فعله، فلو كان مشروعًا لتحقق فيه كل ذلك أو بعضه ولسنَّ لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك برحلات وجولات إلى قبور الأنبياء والصالحين، ولملئت الكتب برحلات الصحابة والتابعين

لهم بإحسان، ونحن نجد دواوين الإسلام من صحاح وسنن ومسانيد وكتب فقه السلف الصالح قد سجلت كل حقوق الأموات من عيادتهم وهم مرضى إلى غسلهم وتكفينهم وتشييعهم ودفنهم وزيارة قبورهم والاستغفار والدعاء لهم والنهي عن الجلوس على قبورهم من جهة.

ومن جهة أخرى النهي عن البناء على قبور الموتى أو اتخاذها مساجد، حماية لعقيدة الأحياء من المسلمين، كل هذا قد طفحت به دواوين الإسلام المشار إليها بينما هي خالية خلوًا كاملًا من حديث نبوي واحد صحيح أو حسن أو قول صاحب أو أحد من أهل القرون المفضلة أو احد من أئمة الهدى يتعلق بقضية الحث على السفر إلى القبور.

فهذا الإمام مالك مع عنايته بجمع سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لا تجد له كلمة في"موطئه"تشير إلى السفر وشد الرحال إلى قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا إلى قبر غيره، وهذه كتب تلاميذه التي دونوا فيها فقه هذا الإمام لا نجد فيها بابًا ولا فصلًا ولا حديثًا يحث المسلمين على شد الرحال والسفر إلى قبر نبي من الأنبياء أو صالح من الصالحين، بل مبالغة منه في التحفظ فقد كره أن يقول الرجل: زرت قبر النبي- صلى الله عليه وسلم - (1) .

وكذلك الإمام أبو حنيفة وأصحابه وأبو يوسف ومحمد نبحث في كتبهم فلا نجد ذكرًا لهذه المسألة.

(1) انظر:"الشفاء"للقاضي عياض (2/84) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت