2 -يأتي على راس إيجابيات الطالبان بعد تطبيق شريعة الله قضية انتشار الأمن وتأمين السبل وهو نتيجة تلقائية لتطبيق الشريعة والحدود، ولا سيما حدود السرقة والحرابة فقد أمنت السبل بشهادة أهل أفغانستان ومن فيها بصورة لم تحصل منذ عشرات السنين حتى ولا زمان الحكم الشيوعي الصارم، ولا زمان الملك وبطشه ونشره للشرطة في كل مكان. وهذا من أسرار شريعة الله فليست العبرة بالشدة والبطش وقوة القوانين. وأما اليوم فقد جمع السلاح ومنع حمله والتنقل به وفر السراق حتى رويت قصص عن عودة بعضهم بالمسروقات إلى أهلها حتى لا يلاحقهم الطالبان وفر معظم كبار السراق وقطاع الطرق إلى باكستان أو التحقوا بقوات المعارضة أو اختفوا لا يعثر لهم على أثر. وهذا الواقع اعترفت به خصوم الطالبان وحتى سمعته من بعض العاملين في الأمم المتحدة والمنظمات. وهم يذكرون ذلك على مضض في سياق تذمرهم وحملتهم على الطالبان، وتمنياتهم بأن يزولوا من أفغانستان وأن تعود الأحزاب. وقد ذكر الأخوة المجاهدون العرب الذين بقوا في سني الحرب الأهلية إلى زمن مجيء الطالبان أقاصيص وشهادات هامة عن فساد السبل في عهد الأحزاب، حتى قالوا أن بين جلال أباد إلى طورخم وهو سير ساعة ونصف بالسيارة كان هناك عدة حواجز للأحزاب وكذلك على طرق السفر يأخذون فيها المكوس الظالمة من فقراء الناس حتى لم يعد أحد يجرؤ على السفر ببضاعته أو متاعه أو أهله. وأما اليوم فالحال من حيث الأمان لا يكاد يصدق أنه أفغانستان التي عُهدت كما كانت دائمًا ديار قتل وقطع طريق.
3 -لعل ثالث فضائل الطالبان هو نشر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقد أسسوا لهذا الغرض وزارة مستقلة ولهم قوات وجنود وسيارات ووعاظ يطوفون الشوارع ويلزمون الباعة والناس والنساء بالسلوك الشرعي، ويدعون الناس للصلاة حيث ازدهرت المساجد وصلوات الجماعة ومُنعت التليفزيونات وأشرطة الفيديو والموسيقى ومظاهر الفساد تمامًا. ولهذه الدوريات حضور وهيبة في الناس - رغم ما سأذكر عنها من سلبيات لاحقًا - وهذا من أبرز أيجابياتهم وقد فرض الحجاب ومنع حلق اللحى كما فرض غير ذلك من مظاهر الإسلام.
4 -محو آثار الشيوعية ونشر الدعوة وتعليم الناس وأسلمة الهيكل الوظيفي للدولة الذي كان يقوم أساسًا على بقايا الشيوعية والعلمانيين، وهذه الملاحظة ملحوظة جدًا وقد شهدتها بنفسي. فقد قام الطالبان بتصفية كوادر الشيوعيين الذين فر معظمهم من البلد واستتر صغارهم خائفين مراقبين محصورين، ففي الوقت الذي كانت قوات رباني اساسًا من بقايا الشيوعية وكان أحد أكبر قواده العسكريين الجنرال آصف شيوعيًا أحمرًا تخرج من موسكو على حرب الإسلام. وتوزع موظفو الخاد والحزب الشيوعي في دوائر الدولة تجد الآن أن الطالبان قد لاحقوا وصفوا أو أبعدوا أو هرب منهم جُلّ هؤلاء وقد دخلت عدة وزارات بنفسي لغرض بعض الأعمال من تراخيص أوراق رسمية وغير ذلك فوجدت أكثر من مرة كل الموظفين ليسوا في مكاتبهم وإنما جمعهم مسؤول الدعوة والإرشاد في قاعة يعلمهم الدين وقد شهدت مرة في وزارة التخطيط وأنا أنتظر أحد الموظفين كل العاملين في الوزارة مجموعين في قاعة وقد كتب على السبورة (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) . وقد سألتهم عن ذلك فشرحوا لي أن سياسة الطالبان هي تعيين مولوية أو طلاب في الوظائف والمديريات الأساسية واستبقاء هؤلاء الموظفين لحين تدريب مزيد من الطلبة على إدارة الدولة، حيث تعمل للطلاب دروس في الإدارة واللغات العربية والأجنبية والشؤون الديبلوماسية وغير ذلك. وفي الوقت ذاته يمارسون الدعوة على الموظفين الذين يشكل معظمهم طبقات من الجاهلين أو المنتفعين والذين كانوا يسايرون النظام السابق للجهل والحاجة. أما من عرف منه عراقة في الشيوعية فإنه يلاحق ويسجن أو على الأقل يفصل من العمل هذا إن لم يقتل ويصفى علنًا أو سرًا، وقد فصل من دوائر العمل آلاف الموظفين لهذا السبب أو لعجز الطالبان عن دفع رواتبهم، أما النساء فقد اختفين تمامًا من الدوائر وذكر لي أن النساء كانوا في عهد رباني حتى في وزارة الأوقاف والشئون الدينية وفي وزارة العدل!!.
وقد افتتح الطالبان مئات المدارس الدينية لنشر الدعوة والإسلام من جهة ولرفع عدد الطالبان الذين تستهلكهم الحرب أولًا بأول. وقد زرت إحدى هذه المدارس في خوست وكان فيها سبعمائة طالب يدرسون لمدة سنتين على أيدي مولوية وعلماء وقد جُهزت لهم مقرات للإقامة والنوم والطعام ومكتبة جيدة وطاقم من المدرسين، وكانوا يدرسون العلوم الدينية واللغة العربية وقد دعونا لإعطائهم دروس في اللغة العربية حسب إمكانياتنا، رحبوا بنا ترحيبًا شديدًا.
6 -إعادة بناء البنية التحية وترميم المصانع وإعادة رصف الطرق المدمرة وبناء الجسور المهدمة وغير ذلك. وبعد انتهاء الجهاد وضعت الأمم المتحدة والمنظمات الصليبية بل وبعض المنظمات الإغاثية العربية والإسلامية حسب ما تسمى برنامجًا لإعمار أفغانستان رصدت لها ألف ومائتي مليون دولار وقدرت الأمم المتحدة حجم الخسائر والدمار الذي ألحقه الروس والشيوعيون بأفغانستان بسبعمائة مليار دولار، هذا عدا مليونين من الشهداء ومثلهم من الجرحى والعجزة ونحو خمسة ملايين من المهاجرين. والمسافر في بلاد أفغانستان كحالنا يرى حالًا من الدمار يستعصي فعلًا على الوصف وتعجز الأقلام عن تسجيل وقائعه. بل تعجز الكاميرات والأفلام عن تصويره. حالة من الدمار ممزوجة بالبؤس والفقر مزركشة بكافة أنواع البلاء والأمراض وانتشار الأوساخ والتخلف العظيم، ومظاهر العذاب والمعاناة، تشهدها في وجوه الأطفال وتحت بسماتهم وحول عيونهم المليئة بالأسى. وتلمح البؤس والفاقة في كل شيء من ملابس النساء والرجال التي تزاحمت عليها الرقاع إلى خيامهم التي تداخلت فيها ألوان الشمائل والقطع القماشية، إلى الجدران والبيوت المهدمة .. إلى حال لا يعلم به إلا الله ويحس بعضه المعايش لهؤلاء المساكين من أمثالنا والله المستعان.