و أتى بالتحية و الثناء الذي يُخاطب به الملك عند الدخول عليه تعظيما له و تمهيدا، و كان ذلك تمجيدا و مقدمة بين يدي حاجته.
فكان في الثناء من آداب العبودية، و تعظيم المعبود ما يستجلب به إقباله عليه، و رضاه عنه، و إسعافه بفضله حوائجه
حال العبد في القراءة و الاستعاذة
فإذا شرع في القراءة قدَّم أمامها الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم فإنه أحرص ما يكون على خُذلان العبد في مثل هذا المقام الذي هو أشرف مقامات العبد و أنفعها له في دنياه و آخرته، فهو أحرص شيء على صرفه عنه، و انتفاعه دونه بالبدن و القلب، فإن عجز عن اقتطاعه و تعطيله عنه بالبدن اقتطع قلبه و عطَّله، و ألقى فيه الوساوس ليشغله بذلك عن القيام بحق العبودية بين يدي الرب تبارك و تعالى، فأمر العبد بالاستعاذة بالله منه ليسلم له مقامه بين يدي ربه و ليحي قلبه، و يستنير بما يتدبره و يتفهمه من كلام الله سيِّده الذي هو سبب حياة قلبه، و نعيمه و فلاحه، فالشيطان أحرص شيء على اقتطاع قلبه عن مقصود التلاوة.
و لما علم الله سبحانه و تعالى حَسَد العدو للعبد، و تفرّغه له، و علم عجز العبد عنه، أمره بأن يستعيذ به سبحانه، و يلتجئ إليه في صرفه عنه، فيكتفي بالاستعاذة من مؤونة محاربته و مقاومته، و كأنه قيل له: لا طاقة لك بهذا العدو، فاستعذ بي أعيذك منه، و استجر بي أجيرك منه، و أكفيكه و أمنعك منه.