كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ، وَلاَ يَرْجُونَ لِقَاءَهُ فِي الآخِرَةِ ،سَادِرِينَ فِي غَيِّهِمْ ، مُسْتَمِرِّينَ فِي طُغْيَانِهِمْ ، مُتَحَيِّرِينَ لاَ يَهْتَدُونَ إِلَى الخُرُوجِ مِمَّا هُمْ فِيهِ ، حَتَّى يَجِيءَ اليَوْمُ الذِي وَعَدَهُمُ اللهُ بِهِ . [1]
وهذا من لطفه وإحسانه بعباده، أنه لو عجل لهم الشر إذا أتوا بأسبابه، وبادرهم بالعقوبة على ذلك، كما يعجل لهم الخير إذا أتوا بأسبابه { لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } أي: لمحقتهم العقوبة، ولكنه تعالى يمهلهم ولا يهملهم، ويعفو عن كثير من حقوقه، فلو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة.
ويدخل في هذا، أن العبد إذا غضب على أولاده أو أهله أو ماله، ربما دعا عليهم دعوة لو قبلت منه لهلكوا، ولأضره ذلك غاية الضرر، ولكنه تعالى حليم حكيم.
وقوله: { فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا } أي: لا يؤمنون بالآخرة، فلذلك لا يستعدون لها، ولا يعلمون ما ينجيهم من عذاب الله، { فِي طُغْيَانِهِمْ } أي: باطلهم، الذي جاوزوا به الحق والحد.
{ يَعْمَهُونَ } يترددون حائرين، لا يهتدون السبيل، ولا يوفقون لأقوم دليل، وذلك عقوبة لهم على ظلمهم، وكفرهم بآيات الله. [2]
وقال تعالى: {وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا} (11) سورة الإسراء
يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ عَجَلَةِ الإِنْسَانِ ، وَدُعَائِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ بِالشَّرِّ حِينَ الغَضَبِ ، كَمَا يُسَارِعُ إِلَى الدُّعَاءِ فِي الخَيْرِ ، فَلَوِ اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ لأَهْلَكَهُ وَأَهْلَكَ أَهْلَهُ . وَالَّذِي يَحْمِلُ الإِنْسَانَ عَلَى ذلِكَ هُوَ قَلَقُهُ ، وَعَجَلَتُهُ ، وَقِلَّةُ صَبْرِهِ .
وإن الإنسان ليعجل ، وهو لا يدري ما وراء خطوته. وإن الإنسان ليقترح لنفسه ولغيره ، وهو لا يعرف ما الخير وما الشر فيما يقترح. «وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا» . ولو استسلم للّه ، ودخل في السلم كافة ، ورضي اختيار اللّه له ،
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 1376)
(2) - تفسير السعدي - (1 / 359)