فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 47

ثالثًا: الإجماع:

قال ابن المنذر في «كتاب الإجماع» : وأجمعوا أن عدة الحرة المسلمة التي ليست بحامل من وفاة زوجها أربعة أشهر وعشرًا، مدخولًا بها وغير مدخول، صغيرة لم تبلغ أو كبيرة.

كذلك وأجمعوا على أن عدة المتوفى عنها تنقضي بالسقط، أما لو كانت لا تعلم بوفاة زوجها أو طلاقه فوضعت حملها، فإن عدتها منقضية [1] .

الحكمة من مشروعية العدة:

كان من المعروف أيام الجاهلية مبالغة الناس في احترام حق الزوجية، حتى إن المرأة إذا توفي عنها زوجها لبست السواد، وأطالت مدة الحداد إلى سنة كاملة، لا تتزين، ولا تقرب الطيب، ولا تفرح حتى جاءت الآية الكريمة من سورة البقرة: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [2] ، ناسخة لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) [3] .

إذن جاءت الشريعة الإسلامية السمحة رافعة عن المرأة هذه المشقة الحاصلة من خلال انتظارها سنة كاملة حتى انقضاء عدتها.

إن تقدير هذه المدة جاءت لحكمة بالغة، فالجنين يمكث في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، وأربعين علقة، وأربعين مضغة.

وهذا المقدار هو أربعة أشهر، ثم ينفخ فيه الروح في الطور الرابع، ويتحرك في بطن أمه، وبالحركة يعرف الحمل، ولهذا قدر بأربعة أشهر وعشر أيام.

وهناك حكمة أخرى في جعل عدة المتوفي عنها زوجها بالأيام، ولم يجعلها الشارع بالقروء كعدة المطلقة، وهي: أن صاحب الحق في عدة المطلقة موجود على قيد الحياة، وهو أعلم الناس بحالها، ولا يخفي عليه شيء من سيرتها وعادتها، وأما المتوفي عنها زوجها فصاحب الحق الذي يعلم عادتها في القرء مفقود، فجعل الشارع مدة انقضاء عدتها بالأيام؛ لأن هذا القدر ظاهر لكل إنسان, فسبحان من أحسن تقدير المقادير [4] .

كذلك إن في العدة إظهارا لحزن الزوجة بفوات نعمة الزوج، فالزواج بحد ذاته نعمة أنعمها الله ـ تعالى ـ عليها، فالزوج كان سبب صيانتها، وعفافها، وإيفائها بالنفقة والكسوة والمسكن، وهو صاحب البيت الذي

(1) المصدر السابق ص 48، 49.

(2) البقرة: (234) .

(3) البقرة: (240) .

(4) حكمة التشريع وفلسفته: على أحمد الجرجاوي (2/ 83، 85) مؤسسة الحلبي، القاهرة، ط الخامسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت