معاهدة التعايش السلمي: هي التي تتم بين المسلمين وغيرهم على أساس آخر غير عقد الذمة؛ لصيانة السلم والأمن الداخلي في دار الإسلام، دون التزام دفع عرض مالي للمسلمين.
ومضمون هذه المعاهدة: هو تأمين غير المسلمين على أنفسهم وأموالهم, وعقد تحالف وتناصر وتعاون متبادل بين المسلمين وغيرهم في دار الإسلام، دون تحديد بمدة.
من أمثلة ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد الهجرة كان أول عمل سياسي عمله, هو أنه عاهد القبائل التي سكنت ما بين المدينة وساحل البحر الأحمر، مثل جهينة وبني ضمار وعقار [1] .
وما كاد يستقر النبي -عليه الصلاة والسلام- في المدينة: حتى عقد صلحًا دائمًا آخر، مع طوائف المدينة، وفق فيه بين الأوس والخزرج، على أساس حسن الجوار، ومع اليهود، فأقرهم فيه على دينهم وأموالهم.
فكانت هذه المعاهدة أول معاهدة سياسية بالمعنى الصحيح بين المسلمين وقبائل المدينة، وبين اليهود بفرقهم الثلاث (بني قريظة, وبني النضير, وبني قينقاع) .
حرم فيه الاعتداء بين أطراف المعاهدة، والتزموا بالتعاون والتضامن لدرء العدوان الخارجي، وعقدوا بما يشبه التحالف الدفاعي المشترك بين شعبين، وأوجب على أنفسهم المساهمة في الإنفاق المشترك في سبيل الدفاع ونحو ذلك، مما ينظم صلات المسلمين مع بعضهم، وصلاتهم بغيرهم كأمم أو شعوب متجاورة، وذلك يعد نموذجًا طيبًا للمبادئ الرائعة في تنظيم حالة السلم والأمن الدوليين.
ونلاحظ على هذه المعاهدة شيوع روح الحذر فيها من اليهود الماكرين, وتقرير دعائم السلم الواجب الاستقرار، والاعتراف بالحرية الدينية، وإعلان مبدأ وحدة المسلمين وتضامنهم, ومساواتهم في الدماء والأموال والحقوق، واستقلال كل من المسلمين واليهود مع بقاء حسن الجوار.
وتقرر هذه المعاهدة مبدأ مناصرة اليهود حالة الاعتداء عليهم (بند 16) , وأن الاعتداء على فئة مسلمة اعتداء على كل الأمة الإسلامية (بند 17) , وأنه لا يحل مناصرة المجرم -أي: المحدث حدثًا- (بند 22) , وأن حل النزاع يكون بالاحتكام إلى النبي (بند 23) ، وأن كلًّا من اليهود والمسلمين أمة مستقلة يربطهم تحالف عسكري لصد عدوان غيرهم (بند 24) وأن هناك حرية دينية لكل من المسلمين واليهود (بند 25) , وأن أي خلاف يحل بالوسائط السلمية بالتناصح والتشاور، لا بالحرب (بند 37) .
ونصت المعاهدة صراحة على مبدأ نصرة المظلوم (بند 37 ب) ونصرة الجار (بند 40) وأن المناصرة في حرب تكون مشروعة (بند 37 ب) ، وأن قريشًا عدو الطرفين المتحالفين (بند 43) ، وأن الطرفين ملزمان بإجابة الدعوة إلى أي صلح فيه صون السلام وتحقيق الأمان (بند 45) ، وأن مدة المعاهدة باقية
(1) سيرة ابن هشام: 1/ 592.