ثم لقي رهطا من الخزرج عند العقبة، فدعاهم إلى الله -عز وجل- وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، ثم رجعوا إلى بلادهم، وقد آمنوا وصدقوا، وكانوا ستة نفر، وكان ذلك بدء إسلام الأنصار [1] .
وفي العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلًا، فلقوا النبي -صلى الله عليه وسلم- وسميت هذه بيعة العقبة الأولى، وهي في الواقع الثانية، فبايعوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على بيعة النساء [2] .
ثم أرسل الرسول -صلى الله عليه وسلم- مصعب بن عمير مع وفد العقبة [3] , وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام, ويفقههم في الدين, فكان يسمى المقرئ بالمدينة مصعب [4] , وكان أول جمعة أقيمت بالمدينة بإمامة أسعد بن زرارة [5] .
وفي العام المقبل رجع مصعب بن عمير إلى مكة، واجتمع النبي -صلى الله عليه وسلم- في الشعب عند العقبة مع عدد من الأنصار، وهم ثلاثة وسبعون رجلًا، وامرأتان من النساء, وكان معه عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، فتكلم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم بايعهم بيعة العقبة الثانية, وهي في الحقيقة الثالثة، وقال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، فبايعوه، واستوثقوا منه ألا يدعهم، ويرجع إلى قومه، فوعد بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «أنا منكم وأنتم مني, أحارب من حاربتم, وأسالم من سالمتم» , واختار منهم اثني عشر نقيبًا: تسعة من الخزرج, وثلاثة من الأوس [6] .
ويلاحظ أن البيعة الأولى والثانية هي لإعلان الإسلام والالتزام بالإيمان، أما البيعة الأخيرة فكانت بمثابة حلف دفاعي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- على أن يبقى معهم.
وأما بيعة الرضوان: فكانت من أجل الثبات مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمام قريش، حينما بلغه أن عثمان بن عفان قد قتل، وكان قد أرسله إلى مكة مفاوضًا أبا سفيان وعظماء قريش على
(1) سيرة ابن هشام: 1/ 425 - 430.
(2) «يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئًا» ، وذلك قبل أن يفترض عليهن الحرب وأريد ببيعة النساء: أنهم لم يبايعوه على القتال. قال عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على بيعة النساء، وذلك قبل أن نفترض الحرب، على أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة, وإن غشيتم من ذلك شيئًا فأمركم إلى الله -عز وجل-: إن شاء عذب، وإن شاء غفر.
(3) المرجع السابق: 1/ 431 - 434.
(4) سيرة ابن هشام: 1/ 434.
(5) المرجع السابق: ص 435.
(6) المرجع السابق: ص 438 - 443.