كانت رسالة الإسلام رسالة فصل بين الحق والباطل، وبين النور والظلمات، وكان اعتناق الصحابة رضوان الله عليهم لهذه الرسالة نابعًا من قناعة داخلية قوية، توطدت في نفوسهم وملكتها، فكانت كل أعمالهم وسلوكياتهم نابعة من المعين الذي لا ينضب الذي هو القرآن الكريم والسنة المطهرة، لا يحيدون عنهما قيد أنملة ولا يرضون لغيرهما حكمًا في حياتهم وواقعهم، وإذا سمع أحدهم بنزول آية من كتاب الله أو أمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم سارعوا إلى تطبيق ذلك دون النظر إلى تعطيل في مصالحهم أو إتلاف لأموالهم وممتلكاتهم، لأنهم عرفوا الحق فاتبعوه وأدركوا الباطل فاجتنبوه، فعندما نزلت آية تحريم الخمر أخرج الصحابة ما في بيوتهم من الخمور وأهراقوها حتى سالت في طرق مكة وأزقتها، وقالوا انتهينا ربنا انتهينا ربنا.
إن هؤلاء البشر، بهذه العقيدة الصلبة، والالتزام الصادق، كانوا خير أمة أخرجت للناس كما قال عنهم ربهم عز وجل: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } (1) ، وهذه الخيرية التي منحها الله لهذه الأمة، وتميّز بها عن سائر الأمم، دلالة واضحة على سمو منزلتهم ومكانتهم عند الله تعالى، والوصف الإلهي للمؤمنين
بالخيرية يعني أنهم أصحاب الخير ودعاته، وليس للشر إليهم من سبيل، بل إنهم أخرجوا للناس لمحاربة الشر وأعوانه، وتحقيق الخير والعدل لهم على أرض الله، لصدق ارتباطهم بالله وتطبيقهم لكتابه قولًا وعملًا، حتى صار القرآن كائنًا يمشى على الأرض لا تهمل أحكامه وحدوده؛ بل تطبق في النفوس والواقع.
(1) سورة آل عمران، الآية 110.