وتأتي آيات الإسراء من سورة الإسراء؛ لتبين أن الله تعالى أراد أن يري نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الآيات الكثيرة، في تلك الرحلة القصيرة { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [xcvi] وهي سُنَّة من سننه سبحانه مع أنبيائه ورسله { وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى } [xcvii] فتكون المعجزات تسرية، يُري هذا الرسول"لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا"ويختار هذا أيضًا:"وَأَنَا اخْتَرْتُكَ"تطيبًا لخاطرهم، وتأنيسًا لنفوسهم، وإزالةً لوحشتهم، عليهم الصلاة والسلام.
والعبودية الواردة في هذا الموطن، هي عينها التي تحدثت عنها الآيات بعد قليل؛ عن عبودية نوح عليه السلام، وعبودية الفاتحين لبيت المقدس { ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ... فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاَهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا } [xcviii] .
فكأنها العبودية؛ يوم يسري الله بعبده، ويأتيه النبوة، ويفتح عليه فتوح العابدين، فيجوسون خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا، كأنها أسمى المنازل، وأرقى الدرجات.
"وتقرير صفة العبودية، وتوكيدها في مقام الإسراء والعروج إلى الدرجات التي لم يبلغها بشر؛ وذلك كي لا تُنسى هذه الصفة، ولا يلتبس مقام العبودية، بمقام الألوهية، كما التبسا في العقائد المسيحية بعد عيسى عليه السلام" [xcix] .