سائل يقول: من أشرك في الألوهية كفر، ولم يعتبر بتأويله مهما كان، فكيف اعتبرنا التأويل أو الشبهة في توحيد الربوبية، حيث لا نكفر القدرية وما هو ضابط المسائل العقدية المحتملة للتأويل. أفيدونا جزاكم الله خيرًا؟
القدرية شركهم في الربوبية شرك جزئي، لا يعتبر شركًا عامًا، شرك بالتأويل حصلت لهم الشبهة، وهو زعمهم أن المعاصي إذا خلقها الله وعذب عليها، صار ظالما.
المعروف عند العلماء أن القدرية مبتدعة، والقدرية طائفتان:
الطائفة الأولى: القدرية الأولى، وهم الغلاة الذين أنكروا علم الله وكتابته، فهؤلاء كفار؛ لأن مراتب القدر أربعة: علم الله بالأشياء قبل كونها. والثاني: كتابته لها في اللوح المحفوظ. والثالث: الإرادة والمشيئة. والرابع: الخلق.
فالقدرية الأولى: الذين أنكروا المرتبتين الأوليين: العلم والكتابة، هؤلاء كفار؛ لأن من أنكر العلم نسب الله للجهل، وهذا كافر بالإجماع، وهم الذين قال فيهم الإمام الشافعي -رحمه الله: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا وإن أنكروه كفروا.
أما القدرية المتوسطة والمتأخرون يقرون بعلم الله، وأن الله كتب الأشياء، وأن الله أراد الأشياء، وأن الله خلق الأشياء كلها، لكن بالنسبة لأفعال العباد خاصة أنكروا بشبهة تأويل ولو كان عن إنكار بدون تأويل لكان كفرًا، لكنه عن تأويل يسبب الشبهة التي عرضت لهم.
لأن هذا في مسألة جزئية يخفى أمرها بخلاف الأمور الواضحة: الشرك في عبادة القبور، الذبح لغير الله، دعاء غير الله، النذر لغير الله، هذه أمور واضحة لا لبس فيها، ولا إشكال.
ومما يبين هذا أن الشيء إذا كان خفيًا قد يعذر صاحبه ما ثبت في الصحيحين في مواضع متعددة"من قصة رجل من بني إسرائيل، قال لبنيه: إني أسرفت على نفسي، وإني أخاف أن يعذبني الله عذابًا شديدًا، لكن إذا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في البحر، فوالله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذابًا شديدًا، ففعل به بنوه ذلك لما مات، فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر البر فجمع ما فيه؛ في رواية: نصفه"