ولم يكن يقوم بهذا العمل أي شخص نظرًا للمكانة التي كانت تحملها هذه المهنة ويحدد ابن منظور [1] شروط القاص بقوله (( لا يقص الا امير او مأمور او مختال أي لا ينبغي ذلك الا لامير يعظ الناس ويخبرهم بما مضى ليعتبروا واما مأمور بذلك فيكون حكمه حكم الامير ولا يقص مكتسبًا او يكون القاص مختالًا يفعل ذلك تكبرًا على الناس او مرائيًا يرائي الناس بقوله وعمله لا يكون وكلامه حقيقة ) ). واغلب المصادر التاريخية تتفق على ان اول من قص في الاسلام هو تميم الداري [2] (ت40 هـ/ 660م) . فذكر الزهري ان (( اول من قص تميم الداري استأذن عمر(رضى الله عنه) فاذن له فقص قائمًا ))وقوله (( ان تميمًا استأذن عمر(رضى الله عنه) في القصص سنين ويأبى عليه فلما اكثر عليه قال، ما تقول؟ قال، اقرأ عليهم القرآن وآمرهم بالخير وانهاهم عن الشر. قال عمر (رضى الله عنه) ذاك الربح، ثم قال، عظ قبل ان اخرج للجمعة )) [3] فكان يفعل ذلك فلما كان عثمان (رضى الله عنه) استزاده فزاده يومًا اخر [4] . وقد نما القصص بسرعة لانه كان يتفق وميول العامة حتى اكثر القصاص من الكذب لذلك قيل ان علي بن ابي طالب (رضى الله عنه) طردهم من المساجد واستثنى الحسن البصري (ت110هـ/ 728م) لتحريه الصدق في قوله [5] .
ويميز لنا الليث بن سعد (ت 175هـ/ 791م) نوعين من هذه القصص بقوله (( هما قصصان قصص العامة وقصص الخاصة. فاما قصص العامة فهو الذي يجتمع اليه النفر من الناس يعظهم ويذكرهم فذلك مكروه لمن فعله ولمن استمعه. واما قصص الخاصة فهو الذي جعله معاوية. ولي رجلًا على القصص فاذا سلم من صلاة الصبح جلس وذكر الله عز وجل وحمده ومجده وصلى على النبي(صلى الله عليه وسلم) ودعا للخليفة ولاهل ولايته وحشمه وجنوده ودعا على اهل حربه وعلى المشركين كافة )) [6] .
(1) لسان العرب: 3/ 102.
(2) ينظر ترجمة، ابن سعد، المصدر السابق: 7/ 408؛ البخاري، التاريخ: 2/ 150.
(3) الذهبي، سير اعلام النبلاء: 1/ 447.
(4) المصدر نفسه: 1/ 448.
(5) امين، فجر الاسلام: 159 - 160.
(6) احمد بن علي المقريزي (ت 845هـ/1441م) ، هدي الساري في معرفة خبر تميم الداري، تحقيق، محمد احمد عاشور، دار الاعتصام، ط1، القاهرة وبيروت، 1972م: 130.